الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة
الجزء ١ · صفحة ٤٩did
مركز الترجمة والتعريب والاهتمام باللغير العربية
GCC Center for Translation، Arabization and Promotion of Arabic
ووقفوا على طريقة القوم في التعبير والصياغة وقوفًا دقيقًا» (1). وإذا كانت هذه هي مكانة شعراء البصرة، وذلك هو شعرهم؛ فلا ريب أن احتكاكهم بالشعراء الآخرين، وانتقالهم بين الأسواق الأدبية المختلفة، وسكني بعض الشعراء بين ظهرانيهم أثرى تلك التجربة، وزاد من زخمها، وأضفى عليها الكثير من الإفادة والغنى.
وفي هذا السياق فإنَّ انتقال شعراء الساحل الغربي للخليج وغيرهم إلى البصرة أسهم بشكل واضح جدًّا في إغناء الحياة الأدبية بالبصرة، ودخول نفس شعري جديد فيها، تأثر - لا ريب بأجواء البصرة، وبالعناصر الأجنبية التي وُجدت هناك، وبالمؤثرات الأخرى المهيمنة عليها، فانعكس ذلك كله على المُخْرَج النهائي النتاج الأدبي)، وامتزج بروح البصرة العَصِيَّة على الانكسار بل انصهر كل أولئك في بوتقة واحدة متجانسة، ما جعل من الأدب البصري أدبا متفرّدًا. ثمة مؤثرات أجنبية داخلت ذلك المشهد - لا ريب؛ بسبب العناصر الأجنبية بها - المشار إليها، ثم هناك ساكنة المكان القدامى، والمهاجرون إليه، ثم المترددون عليها، كان لكلّ ذلك أثره وانعكاسه على الشعر والأدب في البصرة يُضاف إلى كل أولئك البيئة المختلفة في هذه الحاضرة؛ بما كان يطبعها من مدنية، تختلف عما أَلِفَهُ الشعراء في البوادي؛ حيث الحياة الفطرية، وشظف العيش، وشدَّته، والجدب وضراوته، والجوع والفقر والعناء في تأمين حاجة الأهل والعيال، أمَّا الحواضر فبخلاف ذلك .. بأسواقها، وبيوتها، ونشاطها، وحركة التجارة والملاحة فيها، ويَسار بعض أهلها، وغناهم، وتوسيع بعضهم لبعض، كذلك ميدان فسيح للقاء والتفاعل والمقابسة والتواصل، والتلاقح الفكري وهي
6
والأدبي .. يلتقي فيها العربي بالأعجمي، والشرقي بالغربي، وتختلط بها الألسن والثقافات، وتمتزج في بحبوبتها الوجوه والأشكال والصور والخلفيات ببعضها، فإذا بها صورة واحدة، ومشهدًا متناغما، وفسيفساء تعطي المكان مشحة وبصمة خاصة؛ فلا غرو بعدها أن يقول أحد الدارسين أية شخصية بصرية ليست في الواقع إلا نبتة طلعت في تربة، أخصبتها أي لم تكلُّ يوما من الأيام). لقد أدرك من أدرك سر البصرة القديم، وجاذبيتها؛ فعمل على إحياء مكانتها،
(1) شوقي ضيف المصدر نفسه، ص 126 وما بعدها. (2) د. أحمد كمال زكي الحياة الأدبية في البصرة إلى نهاية القرن الثاني الهجري، دار الفكر، دمشق، ط: الأولى 1381 هـ / 1961 م)، ص 12.
49