الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة
الجزء ١ · صفحة ٤٨48
الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة الساحل الغربي أنموذجا
طرديات جديدة، أظهر فيها براعة وتفوقًا منقطع النظير، حتى ليقول الجاحظ ت 255 هـ / 869 م في تقديمه لطائفه منها: (وأنا كتبت لك رجز أبي نواس في هذا الباب لأنه كان عالما راوية، … ، وصفات الكلاب مستقصاه في أراجيزه، هذا مع جودة الطبع، وجودة السبك، والحذق بالصنعة، وإن تأملت شعره فضلته؛ إلا أن تعترض عليك فيه العصبية، أو ترى أن أهل البدو أبدًا أشعر، وأن المولدين لا يقاربونهم في شيء، فإن اعترض هذا الباب عليك فإنك لا تُبْصِر الحق من الباطل ما دمت مغلوبا) (1).
يَخْلُص بعدها إلى القول: «على هذا النحو زَحَم شعراء البصرة والكوفة وبغداد شعراء البادية في نماذجهم من الأراجيز المحشوة بالألفاظ الغريبة، وأثبتوا أنهم يبرونهم، حتى في تلك النماذج الخاصة. ولعل في هذا ما يدل - من بعض الوجوه- على مدى ما كان يأخذ به الشاعر الحضري في تلك الأزمان نفسه من التثقف ثقافة عميقة بالشعر العربي الموروث واللغة العربية الصحيحة، يأخذها عن أهلها بالْمَرْبَى فيهم، والرحلة إلى بواديهم، فهم يروون أن بشارًا (ت 167 هـ / 784 م كان يقول: (من أين يأتيني الخطأ؛ ولدت ههنا في البصرة، ونشأت في حجور ثمانين شيخًا من فصحاء بني عُقيل، ما فيهم أحد يعرف كلمة من الخطأ، وإن دخلت على نسائهم فنساؤهم أفصح منهم، وأيفعت فأبديت دخلت البادية إلى أن أدركت؛ فمن أين يأتيني الخطأ). أما أبو نواس فقد خرج إلى البادية وأقام فيها حولا كاملا؛ ليثقف اللغة من منابعها الحقيقية. ويقول الجاحظ ت 255 هـ / 869 م عنه: (ما رأيت أحدًا كان أعلم باللغة من أبي نواس (ت 198 هـ / 14 م، ولا أفصح لهجة، مع حلاوة ومجانبة لا استكراه)، ويقولون: إنه كان يحفظ دواوين ستين امرأة من العرب فضلا عن الرجال، وإنه حفظ سبعمائة أرجوزة غير ما حفظه من قصائد الجاهليين والمخضرمين والإسلاميين وأوائل المحدثين، وقال أبو عمرو الشيباني (ت 206 هـ / 821 م): «لولا ما أخذ فيه أبو نواس من الرَّفَث لاحتججنا بشعره؛ لأنه محكم القول»، وأكبر الظن أن فيما قدمنا ما يدل على مبلغ ما كان يأخذ به بعض الشعراء الحضريين العباسيين أنفسهم من التثقف باللغة والشعر القديم، حتى استحالت إليهم السليقة العربية،
6
(1) شوقي ضيف المصدر نفسه، ص 125 وما بعدها.