الدور العماني في تعزيز الأخلاق بين التنظير والتطبيق
الجزء ١ · صفحة ١٬٣٢٥الدورُ العُماني في تعزيز الأخلاق بين التنظير والتطبيق
مقلمة
شهد الفكر الإسلامي تاريخيًا تكاملا وثيقًا بين علم الفقه الذي ينظم علاقة الإنسان بربه وبمجتمعه من الناحية العملية، وبين علوم السلوك والأخلاق التي تُعنى بتربية الباطن وتزكية النفس إلا أن الاتجاهات الحديثة في دراسة الفقه غالبًا ما تركز على الجانب القانوني الصوري للأحكام، مع إغفال أبعادها التربوية والأخلاقية (8) Kamal) . وقد أدى هذا الفصل إلى ظهور إشكالية "التدين الشكلي"، حيث تُمارس الشعائر كطقوس خالية من الروح، وتُطبق الأحكام كقواعد منفصلة عن غاياتها القيمية.
وتأتي هذه الورقة لتجادل بأن الحل يكمن في العودة إلى النموذج التكاملي الأصيل، وتقترح مفهوم فقه الذات كإطار نظري ومنهجي لإعادة هذا التكامل. ويُقصد بـ"فقه الذات" الفهم العميق للنفس الإنسانية، وإدراك آلياتها ودوافعها، ثم تسخير الأحكام الفقهية كأدوات عملية لتهذيها وتوجيهها نحو الكمال الأخلاقي. تطرح الورقة الأسئلة الآتية: كيف تتأسس العلاقة بين الفقه والأخلاق؟ وما هي المقاصد الأخلاقية الكامنة وراء الأحكام؟ وكيف يمكن لـ "فقه الذات" أن يكون آلية لتنمية القيم النبيلة؟
يُبنى الوعي الإسلامي المتكامل على ثلاثية العقيدة (المعنى)، والشريعة (النظام)، والتزكية (الروح). وإذا كان الفقه يضبط السلوك الظاهر، فإن التزكية تُهدِّب الباطن، وتلتقي المنظومتان في المقاصد التي تمنح الأحكام دلالتها الأخلاقية الشاطبي، 1997؛ ابن عاشور، 2006؛ عودة، 2008). وبناء على هذا، نحاول أن نقدم فقه الذات وربطه بالبعد الأخلاقي وتهذيب السلوك
1325