الدور العماني في تعزيز الأخلاق بين التنظير والتطبيق
الجزء ١ · صفحة ٦٤الدَوْرُ العُماني في تعزيز الأخلاق بين التنظير والتطبيق
ثانيًا: السياسة العُمانية واستقلال الفكر الديني.
المدهش في التجربة العُمانية أن السياسة نفسها لم تفرض قيودًا على الاتجاهات الفكرية ولم تصادر حق الناس في اختياراتهم الدينية، فقد تعاملت الدولة والمجتمع مع حرية المعتقد باعتبارها قيمةً أخلاقيةً أصيلة، لا تهديدًا للسلطة أو وحدة الوطن، وهو ما جعل عُمان - في العهد النبوي وما بعده - نموذجًا مبكرًا في التعددية الدينية والفكرية.
ويظهر هذا بوضوح في موقف عبد وجيفر ابني الجلندى (رضي الله عنهما)، وهما من أبرز زعماء عُمان في ذلك العصر؛ باعتبار أنها يمثلان قمة السلطة التنفيذية، إذ لم يُذكر أنهما ضيّقا على الدعوة الإسلامية أو عارضا حرية المسلمين في عباداتهم، رغم اعتراف الوفود جميعها بأنهما كانا يمثلان الكيان السياسي الواحد لعُمان، كما تم بيانه في المباحث السابقة
ثالثًا: الوعي السياسي للقيادة العُمانية.
تذكر بعض المصادر التاريخية أن عبد وجيفر ابني الجلندى، عندما وصلهما كتاب النبي يدعوهما إلى الإسلام، كانا قد توصلا بالفعل إلى قناعة فكرية تامة بأن هذا الدين الجديد يحمل في طياته قمة السمو الخُلقي والرؤية الحضارية التي ترتقي بها الأمم. ولم يكن إسلامهما استجابةً آنية أو انفعالًا لحظة الدعوة، بل جاء نتيجة دراسةٍ عقليةٍ متأنية، جمعا فيها معلومات وافرة
64