الدور العماني في تعزيز الأخلاق بين التنظير والتطبيق
الجزء ١ · صفحة ٩٩٤الدورُ العُماني في تعزيز الأخلاق بين التنظير والتطبيق
المبحث الأول: أخلاق الإنسان مع نفسه عند العلامة
الحمسعيدي
المطلب الأول: تزكية النفس ومجاهدتها: أولا مركزية القلب في البناء الأخلاقي ترتكز المبادئ التربوية في الإسلام على أنَّ جوهر الأخلاق مرتبط بسلامة الباطن قبل مظاهر السلوك الخارجي؛ إذ القلب هو المحرك الرئيس الذي يوجّه الإنسان في أقواله وأفعاله، وقد دلّ على هذه المبادئ القرآن الكريم حيث قال: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88 - 89]؛ فجعل سلامة القلب من العلل والآفات معيار النجاة عند الله يوم القيامة، لا مجرد امتلاك الأموال والبنيين أو كثرة الأعمال الظاهرة، وهذا تأكيد على أن معيار القيمة الحقيقية للإنسان ينبع من صفاء سريرته ونقاء نيته.
وجاء في السنة النبوية ما يرسّخ هذا المبدأ؛ إذ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: " ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذا فَسَدَتْ، فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وهي القَلْبُ" (مسلم)، والحديث يبين بجلاء أن استقامة السلوك الظاهر مرهونة بصلاح القلب، وأن الفساد الباطني ينعكس لا محالة على العمل الخارجي، ومن هنا يمكن القول إن التربية الإسلامية لا تنظر إلى الأخلاق على أنّها قشور شكلية، بل هي عملية داخلية عميقة تبدأ من تهذيب النفس
وإخلاص النية، ثم تتجلّى آثارها في سلوك الإنسان الظاهر ومعاملاته.
994