الدور العماني في تعزيز الأخلاق بين التنظير والتطبيق
الجزء ١ · صفحة ٩٩٨الدورُ العُماني في تعزيز الأخلاق بين التنظير والتطبيق
ومما سبق يتبين لنا أنَّ المحاسبة عند الحمسعيدي ليست نقدًا دنيويا ذاتيا، بل هي عبادة قلبية تجعل الإنسان يعيش في وعي دائم بحضرة الله؛ فيضبط أفعاله وأقواله، بل وأفكاره
ثانيًا: العلم بعيوب النفس: إنَّ من أركان محاسبة النفس العلم بعيوبها؛ فيرى الحمسعيدي أنَّ أكبر عيب يعتري النفس أنّها تظن أن لا عيب فيها، وهو يركز أيما تركيز على أنَّ النفس لا تنسب إليها العيوب، يقول: "وعيوب النفس تمني المغفرة من غير أن يتوب من الذنوب والفترة في القيام بالحقوق، وأكبر منه عيبًا من لا يهتم بتقصيره وفترته، ثم أكبر منه عيبًا من يظن أنه متوقر لفضيلة … مع فترته وتقصيره".
إنَّ النصّ أعلاه بليغ الدلالة في شرح مراحل انحراف النفس، يبدأ النص ببيان بأدنى المراتب وهو الركون إلى الأماني الباطلة؛ إذ يتمنى المرء المغفرة دون توبة ولا رجوع إلى ربه فيغدو الرجاء وهما بلا عمل، ثم ينتقل إلى الفتور في أداء الحقوق، وهو تقصير عملي يضعف صلة العبد بربه وبالناس، إلا أنَّ المصيبة الأعظم في أن تفقد النفس إحساسها بالتقصير؛ فلا تتألم لضعف
ولا تلتفت إلى خلل وتقصير، وهنا يختل ركن أصيل من أركان المحاسبة. ويبلغ عيب النفس ذروته حين تظنُّ أنّها قائمة على فضيلة ومرتبة رفيعة، وهي في الحقيقة غارقة في التقصير؛ فتغتر بصورة موهومة تعمها عن حقيقتها. وهكذا يصف الحمسعيدي سلَّمًا متدرجًا لانحراف النفس؛ من الأماني
الكاذبة إلى الفتور، ومن الغفلة عن التقصير إلى الغرور بالفضيلة، حتى ينتهي
998