الدرر المنثورة في شرح الحكمة المأثورة لأبي مسلم البهلاني مسعود بن محمد بن مسعود المقبالي

الدرر المنثورة في شرح الحكمة المأثورة

الجزء ١ · صفحة ٥

وتظهر لك هذه الحكمة في نفس الصلاة؛ فإنها لم تشرع قياماً محضاً، ولا ركوعاً محضاً، وهكذا سائر أركانها، ولكنها شرعت جامعة لأعمال مختلفة، وأنواع من العبادات متباينة، ينتقل فيها المصلّي من جنس إلى آخر، ولذلك سُمِّيَتْ عرسُ الموحّدِين، فكما أن العرس يجتمع فيه ألوان من الأطعمة؛ كذلك الصلاة اجتمعت فيها أنواع شتّى من العبادة أفعالاً وأقوالاً، فيدرك القلب من كلّ نوعٍ منها لذة جديدة عند الانتقال إليه، فبينما هو ملتذٌّ به انتقل إلى غيره قبل هجوم الملل منه.

وهكذا قِسْ نسبة الصلاة إلى غيرها من الأعمال ونسبة كل عمل إلى الصلاة وإلى أيٍّ يغايره، ونسبة مطلق الأعمال إلى الاستراحة منها، فإنّ الله تعالى لمّا جَبَل هذه النفوس على الملل لَوَّنَ لها ألوانَ عبادته، ففرض الصلاة في وقت، وندب إليها في وقت، ومنع منها في وقت، وجَلّ الحكيم وحاشاه عن العبث، فكانت حكمته في ذلك ليكون همُّ عبدِه إقامة الصلاة لا وجودها، فما كل مُصَلٍّ مقيم:

لا يُصْلِحُ النفسَ إذ كانت مُدَبَّرَةً *** إلا التَنَقُّلُ من حالٍ إلى حال

ثالثاً: إنّ لهذه النفوس الأمّارة دسائس في طيّات الصالحات، فربما رغبت في عبادة شاقّةٍ بالنسبة إلى عبادة أخفّ منها، وصارت لها فيها داعية شديدة ونشاط، فينبغي تفتيش هذه الداعية واستطلاع السبب الموجب للميل إلى ما هو أشقّ عمّا هو أخفّ، وأن تَتَّهِم نفسك في هذا الميل، فلا يكون قطعاً لحظٍّ خسيسٍ من حظوظها، فعسى مع محاسبتها عليه والتدقيق في اكتشافه تظفر بما دَسَّتْهُ لك من مكر وخديعة، فربّما أخَذَتْكَ نفسُك الأخذة التي لا تسلم بعدها بما تنصِبه لك من المكائد والحبائل في ضِمن الأعمال الصالحات، فتبصّر في مكامنها، وتحفّظ في مراصدها، ولا تثق بها في شيء ألبَتَّةَ.

ثم إنّ دواعيها الخبيثة متباينة الأشكال، مختلفة الصور، فإن ظفرتَ بشكلٍ منها فاضرب به عرض الحائط، واهرب منها إلى ميزانٍ من الحق ومَحَكٍّ من النور يتبيّن لك الباطل والبَهْرج، ولا تسترسل إلى كل ما يَزِينُ لها وتنشِط هي له قبل أن تمحّصه من حظوظها الفاسدة، وتستخلصه من سمومها القاتلة، وهذا المجال رحب، وحسبك هذه النبذة في هذا المقام.

قال المعتني به عفا الله عنه: اللهم ارض عن شيخنا وعنا، وانفعنا بعلومه، واجمعنا به مع نبيك صلى الله عليه وآله وسلم في مستقر رحمتك ودار كرامتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

٥ / ٥