الدرر المنثورة في شرح الحكمة المأثورة لأبي مسلم البهلاني مسعود بن محمد بن مسعود المقبالي

الدرر المنثورة في شرح الحكمة المأثورة

الجزء ١ · صفحة ٤

وكما أنّ للإهمال والإرسال آفات؛ فكذلك للجبر في غير مواضعه آفات؛ ومن أعظمها: الملالة والعياذ بالله؛ فقد قال الحكيم الأعظم صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَبَدَ الله تعالى عبادةً ثم تركها ملالةً مَقَتَهُ الله»، فليحذر المكلّف هذا الوعيد، فليس فوق مَقْتِ الله مصيبة، كما أنّه ليس فوق مرضاته رغيبة، والتباعد من الدخولِ تحت هذا الوعيد سهل بتوفيق الله.

وترك البرِّ والطاعة والقربات مَلَلاً هو علامة المقت أعاذنا الله منه، فلولا الطَّرد والمقت والإبعاد ما تَسَلَّطَتْ الملالة على الرغبة، ولا استحوذ الكسلُ والفتورُ على الخفة والنشاط.

وفي الحديث: «أحبُّ الأعمال إلى الله أدومُها وإن قَلّ» وصَدَقَ صلى الله عليه وسلم؛ فإنّ العمل الكثير الّذي تتبرّم منه النفس منصرم، وانصرامه هو المؤثر للمقت، فليختر العامل من حمل الأعمال ما يخفّ على مطيّته حتى لا يبهرها الحمل لا تقوم بحملٍ، لكن الأحمال الخفيفة التي لا تؤثر بَهَراً في الراحلة يدوم حملها عليها فينتفع براحلته انتفاعاً مستمرّاً.

والسالكون طريق الآخرةِ دأبهم المواظبة في أعمالهم الصالحة على نَمَط واحد ووتيرة واحدة لا توثر مَلَلاً ولا تُنشِئ ضجراً، فان تخلّفوا ساعة كان التخلف أيضاً عبادة، لأنه استدعاء للنشاط وتجانف عن حدوث السآمة وذلك أن القُوى الرُوحانيّة النفسانية كالقُوى الطبيعيّة البدنية يُدرِكُها الكلالُ والوَهْنُ والفترة، فهم يراعون هذه الاحوال ويرصدون الفرص وينتهزون سوانح الإمكان، ولعلّ زمَنَ التجميم والتعفية تنبعث فيه دواعي الخير بأرفع درجة مما يتحصّل من الأعمال في زمن الإشقاق.

ولا تحسب تلك الساعات التي تسترسل فيها نفوسُهم من فرص التعطيل، ولكنّها فرص عملٍ من جانب الترك، وزيادة تحريص على حب الخير الآجل، وتنفيس على القلب بنوع ترويح مراعاةً لوصيّة الشارع صلوات الله عليه بھا، فقد قال: «جَمِّمُوا هذه القلوب تعِي الحِكمة».

ألا ترى إلى الحكمة الشرعية في تخصيص أوقاتٍ بمنعِ الصلاة فيها، وجَعْلِها ظروفاً للتسبيح والاستغفار والأدعية والأذكار، كلّ ذلك نَقْلٌ للنفس من طور إلى آخر لئلا تتطرق إليها الملالة من مداومة الوقوف على حَدٍّ واحد، لأنّ طبع الملل غريزة في النفس، كما أنّه من جبلّتها حبُّ التنقل من حالةٍ إلى أخرى.

٤ / ٥