الظل المديد دروس من حياة داهية العلماء أبي عبيد
الجزء ١ · صفحة ٦لَا، قَالَ: مَا جِئْتُ إِلَّا فِي طَلَبِ هَذَا الحَدِيثِ؟ قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا [ص:49] سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ، وَإِنَّ المَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَاءً لِطَالِبِ العِلْمِ، وَإِنَّ العَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ حَتَّى الحِيتَانُ فِي المَاءِ، وَفَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ، كَفَضْلِ القَمَرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ، إِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ».
عمان ولَّادة العلماء:
وإن من فضل الله تعالى على عمان أنها أم ولود للعلماء العاملين والفقهاء والصالحين، فما من زمن من الأزمنة وإلا وتجد عمان فيه غاصة بفحول العلماء والفقهاء النبهاء.
ولقد عم فضل علمائها حتى بلغ عواصم العلم والفكر والثقافة والأدب في عصور توهجها، فهذه مدينة البصرة الشماء، والتي هي قبلة جهابذة العلماء كانت لعلماء عمان أياديهم البيضاء وحضورهم الكبير فيها.
ففي زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضوان الله عليه كان قاضي البصرة التابعي كعب بن سور العماني، فلقد أسند إليه أبو حفص رضي الله عنه قضاء البصرة بعد أن اتضح له غزير علمه وجليل حكمته.
وكان مفتي البصرة التابعي الكبير العماني أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي رضوان الله تعالى عليه، وذلك بشهادة إياس بن معاوية، فلقد قال: أتيت البصرة وما فيها مفت غير جابر بن زيد.
وفي البصرة عاش العلامة الإمام اللغوي منشيء علم العروض وصاحب الفضل في إنشاء أول معجم لغوي، شيخ سيبويه الخليل بن أحمد الفراهيدي العماني، وذلك في القرن الثاني الهجري.
وعاش فيها كذلك العلامة الإمام أبو بكر محمد بن الحسن بن بن دريد العماني صاحب كتاب جمهرة اللغة، وصاحب القصيدة المقصورة التي ما سمع الزمان بمقصورة مثلها، وذلك في القرن الثالث الهجري.
وعاش فيها الإمام اللغوي الكبير أبو العباس محمد بن يزيد الثمالي الأزدي المعروف بالمبرد، صاحب الكتاب الشهير " الكامل في اللغة والأدب "، وكان ذلك كذلك في القرن الثالث الهجري.
وفي القرن الخامس عاش في البصرة واستقر بها برهة من الزمن العلامة الطبيب الفقيه الكيميائي أبو محمد عبد الله بن محمد الأزدي الصحاري، والذي يعد معجمه في الطب هو أول معجم طبي في العالم، غير أنه لم يستقر في البصرة أبدا، وإنما انتقل الأندلس والتي كانت هي الأخرى آنذاك عاصمة من عاصم العلم والفكر والإبداع والأدب.
هذا هو عطاء عمان خارج قطرها، فما بالكم بالداخل؟! إن المتتبع للتاريخ العلمي لعمان يجده حافلا بجيوش بل بجحافل من أهل العلم في شتى الفنون، حتى أنه لم يخل زمن من أزمنتها من علماء كرماء.