الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٣٠منهم من
وبعد ذلك حدث مقتل زيد بن علي (ت 122 هـ)، ثم سقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية بعد معركة الزاب (132 هـ)، ومقتل أبي مسلم الخراساني (ت 137 هـ)، ثم فتنة خلق القرآن (218 هـ)، واغتيال عدد من خلفاء الدولة العباسية، وثورة الزنج (255 هـ)، وفي كل معركة من هذه المعارك قتل المئات أو الآلاف، فعلى سبيل المثال: معركة صفّين وحدها بين علي ومعاوية: قُتل في الحرب بينهما سبعون ألفا، أصحاب على خمسة وعشرون ألفا ومن أصحاب معاوية خمسة وأربعون ألفا، وقتل مع عليّ خمسة وعشرون صحابيا بدريا، وكانت مدة المقام بصفّين مائة يوم وعشرة أيام، وكانت الوقائع تسعين وقعة؛ فتُرى كم هي شدة الهول وقسوة الأحداث التي ألمت بالمسلمين في تلكم الأوقات العصيبة، وكم هو حجم الآثار النفسية التي تركتها في نفوسهم!؛ فهل يُعقل أن تتم عملية رواية الحديث وتدوينه في منأى تام عن كل تلك الأحداث الجسام؟!.
وإذا كانت هاته الفتن التي سبق ذكرها قد حدثت قبل ميلاد أصحاب الصحاح المذكورة في شتّى المدارس، وفي وقت كانت تتبلور فيه آراء المذاهب ومواقفها؛ فهل يُعقل أن يحافظ الحديث على تماسكه وسلامته لفظا ومعنى في ظل تلك الأجواء المشحونة؟!
ينتمي
يبدو أنه من الطبيعي جدا أن يكون لها تأثير ليس بالهين؛ فالمحدّث أو الراوي هو ابن بيئته والجماعة التي إليها، وإذا كان القرآن الكريم قد تكفّل الله بحفظه لفظا ورسماً - وسَلِم من أيدي العابثين؛ فإن الحديث أضحى مرتعا خصبا للاستشهاد والتوظيف في نصرة الآراء والمواقف وتأييدها، حيث أخذت العديد من الفرق تؤيد توجهها العقدي والسياسي بالنصوص الدينية، وبخاصة الأحاديث.
ويرى عبد المجيد محمود أن من "الدوافع التي حملت المحدثين على التأليف … التعبير عن آرائهم في مسائل العقيدة والفقه، وتضمينها الرد على مخالفيهم من الفقهاء والمتكلمين، وتعتبر الجوامع والسنن –من هذه الناحية- البديل عن التأليف المستقل للآراء الفقهية والكلامية، ويظهر هذا فيما احتوته تلك المصنفات من توجّه عقدي وفقهي، يحمل في طياته مناقشات وسجالاً مع المتكلمين والفقهاء.
ولعل مما يدلّ على ذلك تصنيف أصحاب كتب الحديث كتبًا خاصة للردّ على الفرق المبتدعة" التي رأوا أنها خالفت الأخبار التي رووها، حيث صنّف عبد الله بن أحمد الجعفي (ت 229 هـ) كتاب "الرد على الجهمية، وكذا أحمد بن حنبل (ت 241 هـ) كتاب الرد على الزنادقة والجهمية، وصنّف البخاري (ت 256 هـ) كتاب خلق أفعال
1
2
ينظر تفاصيل هذه الأحداث الطبري، تاريخ الطبري، مرجع سابق، ص 574/ 6 - 151/ 10. إسماعيل بن عمر ابن كثير، البداية والنهاية، ط 1، دار الفكر، دب، 1986 م، 274/ 7؛ و ياقوت بن عبد ط 2، دار صادر، بيروت، 1995 م، 414/ 3.
الله
الرومي الحموي، معجم
البلدان
3
4
ينظر الأمثلة على توظيف الأحاديث عقديا وسياسيا: ابن قتيبة الدينوي، تأويل مختلف الحديث، مرجع سابق، ص 41 - 74. عبد المجيد محمود، الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث في ق 3 هـ، مرجع سابق، ص 291 - 292.
111