الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ١٦٥

يتضمن هذا الفصل ثلاثة مباحث؛ الأول يتناول تاريخ فكرة العرض في مدارس الأمة، والثاني: يبين الأبعاد

المعرفية والحضارية لمنهج العرض، أما الثالث فيشخّصُ معوّقات فكرة العرض ويبسط حلولها.

المبحث الأول: تاريخ فكرة العرض في المدارس الإسلامية.

نورد في هذا المبحث تاريخ فكرة العرض في شتّى المدارس الإسلامية سنةً وإباضية وشيعةً (إمامية وزيدية)، وسنكتفي بعرض موجز لأقوال العلماء في مسألة العرض عبر العصور، مع إيراد نماذج مختصرة من تطبيقاتهم لها؛ مصنفة وفق الترتيب المدرسي والزمني دون الخوض في مناقشة المسائل المبثوثة في تلك التطبيقات؛ حتى لا يتشعب الموضوع ويخرج عن نطاقه، وإنما نُرجئ المناقشة والتحليل إلى الفصلين اللاحقين المخصصين لمناقشة منهجية العرض وتطبيقاتها.

المطلب الأول: فكرة العرض عند مدرسة أهل السنة.

سبق أن تناولنا في مبحث التأصيل الحديثي - تطبيقات الصحابة للعرض، ورأينا أنهم هم الذين وضعوا اللبنات الأولى في تطبيقه، وسنتناول في هذا المطلب تاريخ فكرة العرض بالمدرسة في مرحلة ما بعد الصحابة،

وذلك في جانبين؛ النظري والتطبيقي. أولا: الجانب النظري:

نصنّف أقوال علماء المدرسة في مسألة العرض إلى صنفين؛ صنف الفقهاء والأصوليين، وصنف المحدثين؛

تبعاً للتباين المنهجي بينهما. (1) عند الفقهاء والأصوليين.

نتناول فيه موقف الفقهاء والأصوليين من المذاهب الأربعة بخصوص فكرة العرض:

أ. الأحناف:

سار الفقهاء الأوائل على منهج الصحابة؛ وكان كلّ واحدٍ منهم يرى شروطا في متون أخبار الآحاد للعمل بها بعد ثبوت سندها، فأبو حنيفة (ت 150 هـ) كان مشتهراً بمقياسه النقدي الصارم المتمثل في تحكيم كتاب الله تعالى، معتقداً أن لم يكن ليشرع بغير ما شرع الله في كتابه العظيم، ولا ليقطع شيئا وصله الله؛ بل كان موافقاً لحكم الله في جميع تصرفاته؛ فلا يصح عنده حديث تثبت مخالفته للقرآن الكريم، ويُرجع هذا المقياس إلى اعتقاد أن دور الرسول إنما ينحصر في التبليغ والبيان، لا يتعداه إلى تغيير أحكام الله والتقوّل على

النبي

1 الهادي روشو، مختلف الحديث وجهود المحدثين فيه، مرجع سابق، ص 248 - 250.

146