الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ١٦٦

الله، وكان يعتبر مخالفة الحديث الآحاد للقرآن من الانقطاع الباطن الموجب لردّه، فمخالفة الحديث للقرآن الكريم تعدّ عنده - علّة قادحة في متن الحديث، تستوجب تضعيفه أو ردّه.

غير الحق لم يدعه

الله

حتى

النبي

ويتضح ذلك من خلال بيانه لمنهجه النقدي في قوله: "أكذب هؤلاء ولا يكون تكذيبي لهؤلاء وردّي عليهم تكذيبا للنبي، إنما التكذيب لقول النبي أن يقول الرجل: أنا مكذب لقول نبي الله، فأما إذا قال الرجل: أنا مؤمن بكل شيء تكلم به غير أن النبي لا يتكلم بالجور ولم يخالف القرآن، فإن هذا القول منه هو التصديق بالنبي وبالقرآن، وتنزيه له من الخلاف على القرآن، ولو خالف النبيُّ القرآن وتقول على الله يأخذه باليمين، ويقطع منه الوتين، كما قال الله: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيل، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [سورة الحاقة:44 - 46]، فميّز بين ردّ الرواية على راويها لأجل مخالفتها للقرآن الكريم، وبين ردّ كلام النبي ذاته. وأحد هذا بقوله: "نبي الله لا يخالف كتاب الله تعالى ومخالف كتاب الله لا يكون نبي الله .... فرد كل رجل بخلاف القرآن ليس ردًّا على النبي ال ولا تكذيبًا، له ولكن رد على من يحدّث عن عن النبي بالباطل، والتهمة دخلت عليه، ليس على نبي الله ال، فهو يشدّد على أن رده لحديث مخالف لكتاب

6

يحدّث عن النبي

الله لا

يعني

أبداً رده لكلام النبي، وإنما تبرئة للنبي أن يخالف ما أنزل الله تعالى إليه.

به

وأضاف قائلا: "وكذلك كل شيء تكلّم به النبي سمعنا به أو لم نسمعه فعلى الرأس والعين، قد آمنا ونشهد أنه كما قال نبي الله العليا، ونشهد أيضًا على النبي العليا أنه لم يأمر بشيء نهى الله عنه، ولم يقطع شيئًا وصله الله، ولا وصف أمرًا وصف الله ذلك الأمر بغير ما وصف به النبي، ونشهد أنه كان موافقا لله في جميع الأمور، لم يبتدع ولم يتقوّل على الله غير ما قال الله وعل، ولا كان من المتكلّفين، فهو يقر بأن ما جاء به حق من عند الله، لا مرية فيه ولا جدال لكنه لا يمكن بحال أن يخالف كلام الله تعالى. وقد سار علماء الأحناف على هذا النهج، واستدلوا عليه بحديث العرض مقرين بصحته، ومنهم:

النبي

، وأوضح

1. عيسى بن أبان (ت 221 هـ): اشتهر بأنه يوجب عرض الحديث على القرآن، محتجا بحديث العرض، ابن أبان ذلك في كتابه الحجج الكبير فقال: "كل" أمر منصوص في القرآن فجاء خبر يردّه أو يجعله خاصا وهو

1

يقسم الحنفية الانقطاع في الحديث إلى ظاهر وباطن؛ فالظاهر متعلق بالسند والباطن متعلّق بالمتن، وكلاهما موجب لردّ الحديث. ينظر: عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1997 م، 3/ 3 - 19.

3

2 أبو حنيفة النعمان، العالم والمتعلم (رواية أبي مقاتل عنه، تح محمد زاهد الكوثري دط، مطبعة الأنوار، القاهرة، 1368 هـ، ص 24.

4

5

م ن، ص 25.

م ن، ص ن.

هو أبو موسى عيسى بن أبان فقيه الحنفية بالعراق تلميذ محمد بن الحسن الشيباني، وقاضي البصرة، وله تصانيف وذكاء مفرط. الذهبي، سير أعلام النبلاء، مرجع سابق، 440/ 10.

147