الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٢٤٩

المبدأ الأول: رفع القداسة عن البشر.

سمى الله سبحانه وتعالى ذاته العلية بأسماء الجلال والكمال، ومن أسمائه الحسنى "القدوس"؛ أي الممدوح بالفضائل والمحاسن والمنزّه عن أوصاف المخلوقين كالضعف والظلم والعبث والكذب وخلف الوعد وغيرها من صفات النقص، يقول تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة الحشر: 23]، بينما خلق الله الإنسان بفطرته ضعيفا، وجعله محفوفا بالشهوات والميولات والأهواء والوساوس، وغرس في ذاته نفسا مُلهمة التقوى والفجور، لها قابلية الخير والشر، وحثّ الإنسان على تزكيتها وتقويم اعوجاجها، كما أكسبه قابلية التأثر بمن حوله من الناس في أخلاقهم وطبائعهم، وجعل مداركه وقدراته العقلية محدودة، فاجتمعت فيه معاني الضعف والنقص؛ وبالتالي يستحيل لمخلوق كهذا أن يوصف بالتمام والكمال، أو أن يوصم عمله بالعصمة والقداسة - إن بلسان الحال أو المقال؛ فالأنبياء على قدرهم وشرف مكانتهم؛ إذ اصطفاهم الله من البشر، وجعلهم قدوة للعالمين، لم يسلموا في بعض الأحيان الخطأ اليسير فيما سوى التبليغ؛ لكن لا يُقَرُّون على خطئهم، بل يُكرمون بالتوجيه الرباني، وقد بيّن الله تعالى بعض ذلك من أجل الاعتبار، ابتداء من أب البشرية آدم العل، الذي حدثنا الله عنه قائلا: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا إلى قوله] وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى [سورة طه: 115 - 122]، وختاما بخاتم النبيين وصاحب الخلق العظيم؛ إذ عاتبه الله تعالى لما انشغل عن سائله الأعمى بكبار قريش وشرفائها، فأنزل الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَى كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةً﴾ [سورة عبس: 1 - 11].

من

1

وهذه التوجيهات والمعاتبة الربانية لا تخدش شيئا من كرامة الأنبياء ومكانتهم، بل تزيدهم سموا ورفعة؛ لكونهم بالرغم مما يحملونه من صفات البشر وخصائصهم- بلغوا أعلى المراتب وقاموا بأعظم الإنجازات، بأقل عدد من الأخطاء، وقد قيل: كَفى المرء نُبلاً أَن تُعَدَّ مَعايِبُه؛ فهذا مما يشجّع على الاقتداء بهم؛ عندما يُدرك أنهم من طينتهم ذاتها؛ وإذا كان الخطأ واردًا لدى الأنبياء الله، فؤروده ممن دونهم من باب أولى. المبدأ الثاني: التوازن بين التزكية والمؤاخذة.

لا يقتصر القرآن الكريم على مدح العظماء وتزكيتهم، بل يتعرّض أيضا لذكر نقائصهم، ومؤاخذتهم على أخطائهم؛ من أجل الاعتبار؛ فالمدح المبالغ فيه إلى درجة التقديس ليس من منهج القرآن المجيد ولا من منهج الرسول الأمين؛ حيث نجد في القرآن الكريم إثباتًا متكرّرًا لبشرية الأنبياء، وأنّهم كسائر البشر يأكلون الطعام

لأنهم معصومون من الخطأ في تبليغ الرسالة لكي تصل سليمة إلى المكلفين، قال تعالى في سياق التبليغ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67].

230