الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٢٤٨

كتب السنة، ومن الإنصاف كذلك توكيد احتواء كتب السنة على آلاف الأحاديث المقبولة، بذل الأسلاف في تدوينها جهودًا مضنية، ولا تتم الإفادة منها إلا بتعاون الفقهاء والمحدثين جميعا على ضبط معانيها ومغازيها""، فثمن جهود الأسلاف، وبيّن أنّ مسؤولية ضبط المعاني والمقاصد مشتركة بين الفقهاء والمحدثين.

والاعتراف بمكانة الصحاح وقيمتها العلمية لا يعني غلق باب النقد والتمحيص، قال الرازي (ت 606 هـ): "وأما البخاري والقشيري فهما ما كانا عالمين بالغيوب، بل اجتهدا واحتاطا بمقدار طاقتهما، وأما اعتقاد أنهما الأحوال الواقعة في زمان الرسول إلى زماننا، فذلك لا يقوله عاقل، وغاية ما في الباب: أنا نحسن

علما جميع

211

الظن بهما، وبالذين رويا عنهم، إلا أنا إذا شاهدنا خبراً مشتملاً على منكر، لا يمكن إسناده إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قطعنا بأنه من أوضاع الملاحدة، ومن ترويجاتهم على أولئك المحدثين، فبيّن أنهما على قدرهما واجتهادهما ليسا الخطأ، وليسا عالمين بالغيب فتصحيحهما للحديث كان بحسب الظاهر من عدالة الرواة، وليس كما هو في نفس الأمر، وأنه في حال العثور على حديث منكر فيهما يجب ردّه؛ إذ لا يمتنع أن يكون مدسوسا

معصومين من

على الرواة.

ويوضح سلطان العكايلة أن: "تلقي الأمة لأحاديث الصحيحين بالقبول معناه صحة أصولهما ومتونهما، ولا يعني ذلك إغلاق الباب في وجه الناقد الجامع لشروط النقد مع سلامة النية ونبل المقصد، مع أنه ينبغي العلم أنه ليس كل من اجتهد في نقده أصاب، ولا كل من اعترض على الشيخين بدع وانهم، وإنما أعمال الناس بنواياهم ومقاصدهم، وحاشا أهل العلم أن يكون لهم قصد سوى النصيحة الله تعالى ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم، وأن العصمة لرسله عليهم الصلاة والسلام وما عدا ذلك فإن الخطأ له جبلة"، فهو يؤكد على ترك المجال مفتوحا للنظر والمناقشة والاستدراك وفق المنهج العلمي، مع التشديد على حسن النية وسلامة

المقصد.

ومما يجدر بيانه في هذا الصدد خصائص الطبيعة البشرية في القرآن الكريم، ليتضح مدى صحة إضفاء طابع العصمة على المرويات المنقولة إلينا والقداسة على ناقليها، سواء كان ذلك بلسان الحال أو المقال؛ فالقرآن الكريم وصف هذه الطبيعة البشرية بدقة وإنصاف، ومنهجه في ذلك يتضح من خلال المبادئ الآتية:

1

2

3

4

محمد الغزالي، تعليق على بحث القرضاوي "كيف نتعامل مع السنة، ندوة السنة النبوية، ومنهجها، مرجع سابق، 912/ 2. الدين الرازي، أساس التقديس، دط، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، 1986 م، ص 218.

فخر

أستاذ دكتور في علوم الحديث في الجامعة الأردنية، رئيس جمعية الحديث الشريف وإحياء التراث بعمان، الأردن. سلطان العكايلة، الأعمال النقدية على صحيح الإمام مسلم ومناهجها، ضمن أبحاث ملتقى علم العلل مشكلاته وآفاقه البحثية، جمعية الحديث الشريف، ط 1، دار الحامد، الأردن، 2015 م، ص 22.

229