الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٢٥١التوبة: 118]، ويقول أيضا: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ
اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سورة الجمعة: 11] … الخ.
لقد
رسم
يوجد
القرآن الكريم المنهج الدقيق المنصف الذي يجب اتباعه تجاه السابقين الأولين، ألا وهو معرفة سبقهم وفضلهم في الجملة، مع عدم القول بعصمتهم؛ فينبغي اقتفاء هذا المنهج والتزام سبيل القسط والعدل ولو على أقرب الناس؛ فهو يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [سورة النساء: 135]، ويقول أيضا: {فَلَا تُزَكُوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [سورة النجم: 32]؛ إذن فالقرآن الكريم "يحرص على تقديم الصورة كاملة بنقاط قوتها وضعفها؛ فلا تاريخ بشري كله مناقب أو كله مثالب والعبرة من الخطأ والتقصير تساوي العبرة من الصواب والنهوض، بل قد تفوقها أحيانا"، فالاقتصار على ذكر المناقب فقط أو المثالب فقط خروج عن نهج التوازن والإنصاف. وإذا كان هذا هو منهج القرآن الكريم؛ فكيف ساغ لبعض الناس أن يرفعوا جيلا معينا –وهو جيل الصحابة أو آل البيت أو أهل القرون الثلاثة فوق دائرة النقد؛ على أنهم قد طويت صفحتهم، ويحكموا على جميع أفرادهم بالعدالة أو القداسة أو العصمة - وإن لم يصرحوا بذلك لفظا - بالرغم من أنهم دون الرسل والأنبياء درجة!، وهل يتوافق ذلك مع المنهج الإلهي المتوازن بين التزكية والمؤاخذة؟ أخذا بعين الاعتبار كل ما سجله التاريخ عن تلك الحقبة من فتن وحروب وأهواء وعصبيات … ، و"المتأمل في التاريخ والطبيعة البشرية يجد أنّ الصحابة أو آل البيت لم يكونوا سوى مجتمع بشري، فيه السابق بالخيرات، وفيه المقتصد، وفيه الظالم لنفسه؛ وليست غلبة الخير على أهل ذلك الجيل مسوّغا كافياً للتعميم والإطلاق، وإضفاء صفة القدسية على كل فرد من أفراده"، فهم من البشر، ويتصفون بصفاتهم، وإن غلب على كثير منهم صفة السبق والفضل.
ومن هنا فإن نصوص الحديث الصحيح المنقولة إلينا عبر الأجيال بالرغم من منزلتها ومكانتها هي نتاج جهود بشرية متمثلة في السماع والحفظ والنقل والتبليغ والتدوين والفرز والتصحيح، وكل هذه العمليات معرّضة لما يعتري الإنسان بفطرته التي فطره الله عليها من سهو ونسيان وخطأ وذهول وحتى أهواء ونزعات … ، وبالتالي فلا بد من عرضها على أقدس دستور وأمتنه؛ لفرزها وتنقيتها مما قد علق بها من دس وشوائب، وإضافات وتحريفات.
ثانيا: نظريتا الاختصاص والبطون القرآنية.
ثمة نظريتان عند بعض اتجاهات المدرسة الإمامية تُعيقان عملية عرض الحديث على القرآن الكريم وهما:
محمد بن مختار الشنقيطي، الخلافات السياسية بين الصحابة، ط 1، دار قرطبة، الجزائر، 2004 م، ص 21.
محمد الشنقيطي، الخلافات السياسية بين الصحابة، مرجع سابق، ص
105 - 104
232
1
2