الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٢٥٢الأولى: نظرية اختصاص فهم القرآن الكريم بأهل البيت حيث تمنع هذه النظرية نقد الحديث لمخالفته
للقرآن؛ لأنّها تعتقد أن القرآن الكريم يختص بفهمه أهل البيت فحسب، فهم المؤهلون لذلك النقد حصرا. والثانية: نظرية البطون القرآنية، حيث تسمح بتأويل كثير من النصوص الحديثية التي تبدو غير متوالفة مع بنية النص القرآني، انطلاقاً من كونها تتعاطى مع البطون القرآنية التي لا ندركها؛ إذ تفترض أن هناك معاني باطنية للقرآن غير تلك التي تؤخذ من ظاهره، وبالتالي تلجأ إلى درء التعارض بين الحديث والآية بتوجيه النصوص إلى معان باطنية، ولو كانت بعيدة عن دلالة النص وسياقه ومقصده.
ويبين حبّ الله حيدر - من المدرسة ذاتها أن نظرية الاختصاص باطلة، وفقاً للأصوليين من علماء الإمامية وخلافاً للأخباريين، أما نظرية البطون فيراها مقيّدة بشرط أن تكون المعاني الباطنية منسجمة مع المعاني الظاهرية، وتعمق دلالتها وتصب في مغزاها؛ إذ صحيحٌ أنّ في بعض آي القرآن ظاهرا وباطنا، لكن ينبغي ألا تتكلف معاني عن معهود اللغة ومقصود الخطاب؛ ولذا فهو يرى أن مثل هذه النظريات "إذا لم تنضبط بقواعد صارمة،
شادة
3
سوف تعيق كثيرا الباحث الإسلامي في الاحتكام لمرجعية القرآن الكريم في ممارسة نقد متني للحديث "، فلا بد من ضوابط علمية لعملية التأويل؛ لئلا تكون مجرّد وسيلة تبرير لإبقاء الحديث.
ولهاتين النظريتين نظير في المدارس الأخرى، كمن يقصُر فهم القرآن الكريم على المأثور من السلف، فيجعل مروياتهم وآثارهم هي الحكم على النص القرآني وليس العكس، فيعطل مقياس العرض؛ فينبغي معالجة هذا الأمر بإرجاع الحاكمية والهيمنة للنص القرآني على غيره، وجعله متبوعا وغيره تابعا.
ثالثا: غياب الجرأة فى تفعيل قواعد نقد المتن.
من معوّقات عرض الحديث على القرآن غياب الجرأة المنضبطة والشَّجاعة المتزنة عند بعض العلماء في
4
خوض غمار نقد متن الحديث الصحيح، في حين أن الصحابة كانوا منفتحين في ذلك، كما رأينا من منهجهم،
ولم يجعلوا ذلك داعيا لاتهام الناقد بإنكار السنة؛ بل كان التورّع في عهدهم عن قبول الروايات والإكثار منها أكثر
من التورّع عن نقدِها وردّها لمخالفتها للقرآن الكريم.
وهذه أقوال لعلماء معاصرين تؤكّد على ضرورة استكمال مسيرة التمحيص والاستدراك:
ذكر محمد الغماري علامات الحديث الموضوع، وذكر منها: وجود النكارة الظاهرة في متنه وإن كان صحيح السند، وقال: "فكم من حديث صححه الحفاظ وهو باطل بالنظر إلى معناه ومعارضته للقرآن، أو السنة الصحيحة، أو مخالفة الواقع والتاريخ؛ وذلك لدخول الوهم والغلط فيه على المعروف بالعدالة، بل قد يتعمّد
1
2
3
4
الله
حيدر، نقد المتن في التجربة الإمامية، مرجع سابق، ص 60 - 61.
ينظر: م ن، ص 61.
حب الله حيدر، نقد المتن في التجربة الإمامية، مرجع سابق، ص
40 - 39
ينظر: مطلب التأصيل الحديثي للعرض، وكذا عنصر تشخيص الأزمة المعرفية للأمة" من البحث.
233