الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٢٦٠

بل ينبغي السماعُ لكل باحث جادّ، والنظرُ في براهينه وتقييمها، وقبول الحق منه إذا أصاب، وتوجيهه إذا أخطأ، في جو من الاحترام المتبادل والحوار الهادئ والنقد الهادف؛ فالحكمة ضالة المؤمن.

والمسائل العلمية تكون أكثر فائدةً وثراءً عندما تشترك فيها عدة، علوم، قال محمد الغزالي منتقدا: "عيب بعض الذين يشتغلون بالحديث قصورهم في تدبر القرآن وفقه أحكامه، فلمَ الغرور مع هذا القصور؟ ولماذا يستنكرون على غيرهم من رجال الفكر الإسلامي الرحب أن يكتشفوا علّة هنا أو شذوذا هناك؟، إن التعاون في ضبط التراث النبوي مطلوب، ومتن الحديث قد يتناول عقائد وعبادات ومعاملات يشتغل بها علماء المعقول والمنقول جميعا، وقد يتناول الحديث شؤون الدعوة والحرب والسلام؛ فلماذا يُحرم علماء هذه الآفاق المهمة من النظر في المتون المروية؟ "، فشرط الاختصاص لا يمنع أهل التخصصات الأخرى –سيما المتصلة بها- أن يبدو

آراءَهم وأبحاثهم ويعرضوها على أهل التخصص، ويتعاونوا معهم على إيجاد نظريات ونتائج وحلول مشتركة. وأوضح طه العلواني أن بعض متأخري المحدّثين "توهموا حواجز مفتعلة أو وهمية بين علوم الحديث وسائر العلوم الإسلامية الأخرى، فرغبوا عنها، وحجّروا ما كان يمكن أن يتّسع، كما أنّ متأخري الفقهاء ظنُّوا أن قلة بضاعتهم في الحديث ونقده لا ينقص من براعتهم في الفقه وهم في ذلك مخطئون؛ فقد دخلت إلى ساحات الفقه مسائل كثيرة ما كان لها أن تجد إلى الفقه سبيلاً لولا قلّة عناية أولئك الفقهاء بالحديث وتنقيته، كما تسربت إلى مدوّنات الصحاح أحاديث ما كان لها أن تبلغ تلك المنزلة، لولا قلة بضاعة بعض المحدثين بعلوم القرآن والفقه والحياة 2؛ فكم من بحوث لغير أهل الاختصاص حركت مياهاً راكدة في ذلك الفن، وأبدعت نظريات وقواعد جديدة، فتحت آفاقا رحبة لأهل التخصص، وهذا بفعل التلاقح بين العلوم.

ولذا يلفت معتز الخطيب الانتباه إلى أهمية القيام بالدراسات البينية بين العلوم أي دراسة الموضوعات التي يشترك فيها علمان أو أكثر من علوم الشريعة؛ لتوسيع مدارك نظر الباحثين والوقوف على مساحات التقاطع بين

ما

العلوم؛ لأن هذا سينعكس على مزيدٍ من الفهم لحركة العلوم وتطوّرها، وسيكشف عن طبيعة وظيفة كل علم منها"، حيث عادة ما يتسم البحث داخل التخصص بالرتابة والجمود والتقليد، ولكن إذا اتصل وتفاعل مع حوله من علوم وفنون خرج عن قوقعته واتّسم بالإبداع والتجديد، هذا دون أن ننفي الهفوات والعثرات التي تصدر غالبا من غير المتخصص، فينبغي تداركها بالحوار والنقد العلمي البنّاء، وليس بالتهميش والإقصاء.

1

2

3

4

محمد الغزالي، السنة النبوية، مرجع سابق، ص 21.

العلواني،

السنة النبوية ونقد المتون، مجلة إسلامية المعرفة، مرجع سابق، ص 37.

معتز الخطيب، ردّ الحديث من جهة المتن -دراسة في مناهج المحدثين والأصوليين، مرجع سابق، ص 453. ينظر: محمد همام، تداخل المعارف ونهاية التخصص في الفكر الإسلامي -دراسة في العلاقات بين العلوم، ط 1 مركز نماء، بيروت، 2017 م،

ص 85.

241