الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٢٦١كما نذكر أنّ من الشروط العلمية للقائم بعملية العرض: القدرة العقلية على النظر والبحث والنقد والاستدلال؛ فالمقلّد الذي ليس لديه تلك الملكات لا يقدر على البحث في هذا المقياس وتطبيقاته. المطلب الرابع: الشروط الأخلاقية للقائم بعملية العرض. ونقصد بها جملة الآداب والأخلاق التي ينبغي على القائم بعملية العرض أن يتحلى بها، كأي عالم أو باحث في بحثه؛ ليكون عمله سليمًا مما يقدح في وثاقته وإخلاصه، ومن أهمها ما يأتي:
أولا: خشية الله تعالى وسلامة النية.
بأن يكونَ الباحث متقيًا لله تعالى في بحثه العلمي، فيتحرى التجرّد والإنصاف والموضوعية، ويخلص عمله لوجه الله تعالى، فلا يكون مبتغاه إلا نيل، مرضاته، وهذا هو المنطلق الأساس، فلا يكون متبعا للهوى أو مبتغياً به حاجة في نفسه، أو أن يكون مقصده المراء ومخالفة السابقين أو نصرة رأي معيّن؛ فهذا مما ينبغي أن يتنزه عنه الباحث ويترفع عنه، وبذلك يكون عمله سديداً ومباركاً، فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر الاجتهاد، والأصل في ذلك قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أحَدًا [سورة الكهف: 110]، وقوله: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، والبحث العلمي من جملة العبادة والعمل الصالح فينبغي فيه الإخلاص لله تعالى.
وبغياب النية السليمة واتباع الهوى فإنّ هذا العمل لا يباركه الله، ولا يؤجر عليه صاحبه، بل يبوء بالضلالة
والخسران، فيكون ممن قال الله تعالى فيه: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [سورة الجاثية:23]، أو ممن رُوي فيه عن قال: «من تعلَّم العلم ليباهي به العلماء أو ليماري به السفهاء لقي يوم القيامة وهو خائب من
النبي
الله
الحسنات»، فلا بد من سلامة النية وابتغاء الحق. وننبه إلى أنّ انتقاد السنة والنيل منها جملةً، يختلف اختلافًا جذريا عن نقد أحاديث بعينها لأسباب علمية صرفة؛ ففرقٌ هائل بين من يقصد صيانة السنة والذب عن حياضها بالتحري والتثبت العلمي، وبين من يقصد هدمها للبناء على أنقاضها، وما أحوج العمل النقدي للإخلاص والتجرّد ونشدان الحقيقة ابتغاء رضى الله تعالى؛ فهذا هو أسمى الغايات التي يتوخاها كل باحث لبيب.
1
2
البخاري، باب بدء الوحي، ح:1.
مسند الربيع بن حبيب، الباب الخامس: في طلب العلم لغير الله جل وعلماء السوء، 13/ 1؛ وقريب من لفظه: ابن ماجة، سنن ابن ماجه، المقدمة، باب في فضائل أصحاب رسول الله، باب الانتفاع بالعلم والعمل به، ح: 258؛ قال الألباني: صحيح لغيره.
242