الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٦١أما اصطلاحا فيُراد بعرض الحديث على القرآن الكريم أن لا يُكتفى بالنظر إلى السند في الحكم على
الحديث، بل يجب أن يُضاف إليه النظر في متنه ومعناه؛ للتأكد من أنه لم يأت بما يخالف القرآن؛ فإن جاء الحديث بما يخالف القرآن اعتُبرت هذه المخالفة علةً يضعف بها الحديث، وقرينةً على خطا ما في الرواية""، والعلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي هي أنّهما يشتركان في معنى المقابلة والإظهار؛ فمعنى عرض الحديث على القرآن الكريم هو إظهار الحديث وإبرازه في ضوء القرآن الكريم، وفحصه بمناظيره ومعاييره؛ فيُحكم عليه بالصحة أو البطلان ويعني ذلك محاكمة الحديث إلى كتاب الله، والمقارنة بين مضامينهما؛ لمعرفة مدى التوافق أو التعارض بينهما؛ وذلك بغرض الحكم على الحديث بالقبول حال الموافقة، أو بالردّ حال المخالفة الحقيقية، أو بعبارة أخرى: الحكم على الحديث بالقبول أو الردّ وفق مقاييس القرآن الكريم وقوانينه.
ويمكن أن نميز بين نوعين لهاته العملية، أحدهما: العرض على نص القرآن الكريم، ويعني المقارنة بين نصي كل من القرآن، والحديث والوقوف على أوجه التوافق والاختلاف بينهما؛ والثاني: العرض على روح القرآن وقواعده الأساسية ومنطقه العام، ويتمثل ذلك في المبادئ والكليات المستمدة من مجموع نصوص القرآن الكريم، فتشكل رؤية شمولية كلية، تُعرض عليها النصوص الأخرى؛ فهذه الرؤية وإن لم ترد بشكل آيات ونصوص مباشرة، فإنها قواعد مستنبطة من آي القرآن الكريم ومستوحاة من معانيه.
ولا نقصد بالعرض - في بحثنا هذا ما شاع لدى بعض المحدثين من ردّ كلّ الأحاديث التي أتت بما سكت عنه القرآن الكريم، فهذا تعريف يفسّر العرض بما يرادف إنكار السنة ودورها في البيان، وليس هو مقصودنا البتة؛ إذ ليس كل ما ورد في الحديث دون القرآن الكريم مخالفاً له؛ فهناك أحاديث كثيرة مبينة للقرآن أو سكت عن مضمونها القرآن ولم يرد فيه ما يوافقها ولا ما يخالفها، فلا يُحكم عليها بالردّ لأجل ذلك، وإنما الرد مقتصر على ما يعارض ما جاء في القرآن معارضة حقيقية، بحيث لا يمكن الجمع بينها والقرآن بأوجه الجمع المستساغة، كما سنوضح في الفصل الثالث من البحث.
1
2
عبد المجيد محمود، الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث في ق 3 هـ، مرجع سابق، ص 201. معتز الخطيب، ردّ الحديث من جهة المتن دراسة في مناهج المحدثين والأصوليين، رسالة دكتوراه، ط 1، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2011 م، ص 373 - 374.
3
يُنظر: محمد شقبقب عرض الحديث على القرآن الكريم الأسباب الموضوعية والأبعاد العقدية والحضارية، مذكرة ماستر، جامعة الأمير عبد القادر، قسنطينة، 2012 م، ص 15 - 16.
4
يُنظر في ذكر هذا المعنى: محمد بن علي بن محمد الشوكاني، الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة، تح: عبد الرحمن المعلمي، دط، دار الكتب العلمية، لبنان، دت، ص 291؛ وياسر الشمالي، عرض الحديث على القرآن، مجلة دراسات علوم الشريعة والقانون الجامعة الأردنية، مج 23، ع 225 - 223؛ وإسماعيل عبد الستار الميمني، شبهة عرض السنة على القرآن عرض ونقد، ع 1، مجلة كلية أصول الدين، القاهرة، 2007 م، ص 58. وسيأتي تفصيل هذا الأمر في مطلب "التأصيل الحديثي للعرض".
1996.24
ص
42