الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٨

1. تمهيد من سنن الله تعالى في خلقه سنّة الاختلاف؛ وهي سنّة مبثوثة في المخلوقات بصفة عامة، من اختلافها في الأجناس والألوان والأشكال والأحجام والصفات والخصائص، ومبثوثة في البشر من اختلافهم في الدين والأعراق والأنساب والألسن والعادات والأفكار والأزمنة والأمكنة .... وهذه السنة آية من آيات الله الدالة على عظمته وبديع صنعه وتدبيره، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [سورة الروم: 22].

ولم

يشد

المسلمون عن تلكم الطبيعة؛ حيث اختلفت مدارسهم وآراؤهم، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [سورة هود: 118 - 119]، وقال: ﴿وَلِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [سورة المائدة: 48]، فالحكمة من جعل هذا الاختلاف تتمثل في الابتلاء والاختبار؛ أي ليظهر من يُعمِل ما آتاه الله من نِعَم ومَلَكَات في سبيل الوصول إلى الحق والاستباق إلى الخيرات ومن يُعطّلها ويجحد إعمالها وشكرها.

والاختلاف الاجتهادي بين المسلمين ليس مشكلةً في حدّ ذاته، وإنما يُصبح مشكلةً حينما يتعدى إلى الأصول، ويرقى إلى معضلة أكبر عندما يتحوّل إلى عداء وتنافر وتفرّق مذموم، بل إلى صراع وتناحر؛ وذلك بالرغم من توحيدهم لله والكتاب والرسول والقبلة.

2. أهمية الموضوع

يشهد حاضرُ العالم الإسلامي تدهورا مستمرا في حال الأمة الإسلامية ودخولها في مسالك مظلمة من التفرق والتشردم، والتوتر والاستقطاب، والتشاحن الطائفي، الذي يجعل من الإخوة في الدين أعداء متنافرين متناحرين، تسودهم العداوة والبغضاء، وفي مقابل ذلك نجد بلداناً غير إسلامية تعيش فيها المئات الأديان من والملل والطوائف في سلام، ووئام ويسودها الاعتراف والإنصاف والاحترام والتعاون!. ولعلّ من أهم أسباب التفرّق في الدين الاختلاف في مصدّر استقاء المعارف الإيمانية (العقيدة)، وتحديدًا في التعامل المرجعية الثانية المتمثلة في السنة النبوية أو الحديث النبوي؛ حيث لكل من المدارس الإسلامية مع كمه الهائل من المرويات والآثار التي يرى صحة نسبتها إلى رسول الله الله، كما أنّ لكلّ منها منهجه الخاص في التعامل معها؛ فبعضهم يأخُذ منها ويذر وبعضهم يتمسّك ببعضها كمقدسات ومسلّمات، ويحكم من خلالها

منهج

6

1

مي

القطعيات من حيث الثبوت والدلالة، كما سنرى لاحقا في الفصل الثاني.

خ