الرسائل الفقهية
الجزء ١ · صفحة ٤٩تمهيد
لقد شرع الله العبادة من أجل تقواه سبحانه؛ ليطهر النفس البشرية من الملذات والشهوات التي طبعت عليها، فترقى الروح البشرية من وحل الشهوات إلى رياض الجنات، ومن غياهب الظلمات إلى نور الصالحات.
والاعتكاف كغيره عبادة من العبادات إلا أنه يمتاز بقدرة روحية على تطهير النفس من التعلق بالهوى، والقدرة على الانفكاك عن الدنيا، لذا يمنع المعتكف من الجماع ليلاً، والأكل والشرب نهارًا، ولو أنه منع من الأكل ليلاً ونهارًا لما استطاع الصمود، ولكن ليذوق جانب الإمساك عن شهوة البطن زمانًا، وعن الجماع أيامًا، فهاتان الشهوتان -البطن والفرج- هما من أشد الأسباب التي تؤدي إلى الوقوع في الحرام، ولا ننسى أن المعتكف يمسك عن كل صغيرة وكبيرة من الإثم، فيخرج من معتكفه، وقد طَهُرت سريرته، ونَقِيَ قلبه.
الاعتكاف لغة واصطلاحًا:
الاعتكاف: من الافتعال، وأصل الفعل عكف ثلاثي لازم، ومَصْدَرُهُ الْعُكُوفُ، والاسم منه عاكف، والمضارع منه يعكف، ومعناه الإقبال على الشيء.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾