العلاقة بين الإيمان ووحدة الأمة
الجزء ١ · صفحة ١٠٥الفصل الثالث: الدرس العقدي ووحدة الأمة
لذلك ينبغي على الأستاذ الجامعي أن يكون واعيا بكل هذه المعطيات وبالتالي لا يتحيّز إلى تيار دون آخر في عملية التدريس، فتتحوّل مهمته الأساسية - الدعوة إلى الله - سواء بوعي منه أو بغير وعي، إلى الانحياز والتبشير بالمذهب والتيار الفكري الذي ينتمي إليه، أو الحزب أو التنظيم الموالي
فهذه البيئة العلمية من المفروض أن تساعد على إنماء القدرة والملكات على التحليل والمقارنة بين المواقف المتباينة، وتخصيب الفكر وإنضاجه حتى يصبح في استيعابه أكثر شمولية وتوازنا وأوسع رحبا، وهذه الملكات كلّها لا يمكن أن تنمو وتزدهر في محيط التحيز والانحياز 2.
ثالثا: التزام توثيق المعلومة من مصادرها:
كذلك من الشروط التي يجب أن تتوفر في الأستاذ الجامعي أن يتحرى المعلومة من مصدرها، خاصة بما يتعلق بالآراء المذهبية، وعدم الاكتفاء بالمصادر الموجّهة للآراء، وإنما بالعودة إلى المصادر التي أنتجت هذه الآراء والمواقف، هذا الاطلاع هو الذي يكسب المدرس تصوّرا سليما صحيحا عن حقيقة الآراء فإذا غفل الأستاذ هذا الشرط أو أهمله، فإنه قد يساهم في نشر الأخطاء، وسيؤسس لضعف تصوّر الآراء المتباينة، وظلمها والإجحاف في حقها، وبالتالي سيفتح المجال للجدل العقيم الذي يزرع الأحقاد والضغائن، ويوسّع الفرقة بين أبناء
عن
الأمة الواحدة. وهذا يقتضي كذلك أن يلتزم الأستاذ القول في حدود العلم والتوقف عند الجهل بالمعلومة وعدم نشرها للطلبة دون التأكد من صحتها عملا بقوله تعالى: ولا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ
عَنْهُ مَسْئُولًا {الإسراء 36، وهذا ضابط أخلاقي يؤكّد عليه العلماء المسلمون، وسيرفع من وتيرة البحث العلمي، ويعلي من مستواه ويفتح المجال للاستزادة في العلم وتجعل المدرّس لا يستكبر على البحث عن المعلومة أين يجدها، ويسعى باستمرار إلى تصحيح معلوماته وغربلتها وهذا التصحيح يكون سببا في بعث روح الوحدة من
1. محمد أبو الفتح البيانوني، المدخل إلى علم الدعوة دراسة منهجية شاملة لتاريخ الدعوة وأصولها ومناهجها وأساليبها ووسائلها ومشكلاتها في
ضوء النقل والعقل، المرجع السابق، ص
3
352
2. محمد بابا عمي، مصطفى وينتن أصول الإيمان، مرجع سابق، ص
106
في بداية مشواري في الجامعة لم أكن أستسيغ هذا الحرص الزائد والاهتمام المبالغ فيه من الأساتذة على الإحالة إلى المصادر والمراجع الأصلية للآراء وضرورة التوثيق والتهميش لها على حساب المضمون فيما يتعلّق ببحوث السداسي وكنت أضجر منه، لكن كلّما تقدّم الطالب في المراحل تبيّن فوائد
هذا الحرص، وضرر إهماله.
93