العلاقة بين الإيمان ووحدة الأمة
الجزء ١ · صفحة ٢٢11
1
الفصل الأوّل: مدخل تعريفي
لكي نبيّن صعوبة المأمورية نصوغ هذه الصورة الرمزية الآتية: من السهل أن يلم شخص ما قطع البازل Puzzle المبعثرة والمتناثرة المختلفة الألوان المتباينة الأشكال فيرتبها ويركب بعضها إلى بعض حتى يخرج بصورة زاهية الألوان و متناسقة الأشكال تعبّر عن دلالة وتؤدي وظيفة معينة، لكن ماذا لو كانت هذه القطع ذواتا مستقلة ولها إرادات حرّة مختلفة هل يمكن أن تتحد بنفسها وتلتئم إراداتها المتباينة والمختلفة من أجل الانتظام وفق نسق معين وبانسجام وتناغم؟ إن نفينا إمكانية ذلك وقلنا بأن هذا مستحيل ولا يمكن فقد أغلقنا أي محاولة للتوحيد بين المسلمين ولم شملهم لكن إن فتحنا باب الإمكان وأفسحنا المجال للحوار والتداول واعتبرنا أن هذه الذوات نسبية في إدراكها وفهمها ويعتريها الخطأ والنقص والوهم والظنّ والشك والريب ومحتاجة ومفتقرة إلى ذات أعلى منها رتبة، وأشمل منها إدراكا وعلما وأوسع منها إرادة تستلهم منها المدد والهداية من أجل توجيه الطاقات نحو معاني الوحدة والأخوة بهذا المعنى يمكن أن نولد مقاربات تساهم في تحقيق وترسيخ وحدة الأمة.
وقبل أن نتحدث عن محتوى الكتاب جدير بنا الإشارة إلى أن هذا المؤلف يرتبط بنسق معرفي اشتغل عليه المؤلّف ولا يزال ضمن شبكة من العلاقات الاجتماعية الحية، ومجموعة من الباحثين، والفاعلين والمساهمين.
الفرع الأول: النسق المعرفي للكتاب:
أصْطلح على هذا النسق بـ «نموذج الرشد»، وسنفصل قليلا عن هذا النسق المعرفي حتى نستوعب السياق الذي يشتغل عليه المؤلف وبؤرة اهتمامه والمشروع الذي يعمل عليه. والمفهوم يتركب من مصطلحين (نموذج و رشد) وسنحاول تفكيك هذين المصطلحين ثم نبيّن المعنى المركب الذي صيغ منهما
أولا: النموذج أو النموذج المعرفي:
هي بنية تصوّرية أو خريطة معرفية يجردها عقل الإنسان بشكل واع أو غير واع) من كم هائل من العلاقات والتفاصيل والحقائق الموضوعية فهو ينتقي ويستبعد ويهمش حسب ما يراه محوريا في نظره، ولكل نموذج (مرجعيته النهائية التي تتكوّن من معتقدات وفروض ومسلّمات وإجابات عن أسئلة كلية ونهائية تشكل جذروه الكامنة وأساسه العميق، وتزوده ببعده الغائي وتحدد موقفه من الإله والإنسان والكون 2
ثانيا: الرشد:
مصطلح قرآني، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ {الأنبياء 51، يفترض نوعا من الانتقال من حال إلى حال، فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَاهُمْ ﴿النساء 06 06﴾
عبد الوهاب المسيري، رحلتي الفكرية، المرجع السابق، ص
274
2. للتوسع انظر: عبد الوهاب المسيري، الثقافة والمنهج، سلسلة حوارات، تحرير سوزان حرفي، دمشق، سوريا، 2010، ط 2/ص 277