العلاقة بين الإيمان ووحدة الأمة
الجزء ١ · صفحة ٣٧26
الفصل الثاني منهجية تحقيق وحدة الأمة
للإباضية، أن يقطعوا ويجزموا بأنّ مصير مرتكب الكبيرة الذي لم يتب هو خالد مخلّد في النار، وليس لهم أن يدعوا أن رأيهم العقدي - وهو أصل مذهبي - هو الوحي ذاته وليس لهم أن يرموا مخالفيهم في هذه القضية بالتخطئة والبطلان أو قضية الصفات مثلا فليس للإباضية والأشاعرة أن يقطعوا ويجزموا بأنه لا يد لله على الحقيقة طالما أنّ هناك فهم آخر لهذه النصوص، لذلك فتقليد المذهب في المنهج سيسلّم بالضرورة تبنّي حكم على الآخر المخالف. عملية الفصل المنهجي التي اقترحتها هذه المقاربة بين الأصل الديني والأصل المذهبي، أو بين النص الديني والتفسير البشري لا يمكن أن تحل الإشكالية نهائيا، فالنص دائما موجود وهو صامت في حد ذاته، والذي يَسْتَنْبِطُ من الدلالات هو الفهم البشري والمنهج الذي ينحته والماقبليات والبرادايمات والقوالب التي تؤطر العقل في عملية الاستنباط، ذلك أنه حتى هذا التحديد ـ أي أن الأصول هي ست فقط. هو استنباط وفهم وتحديد بشري - من صاحب المقاربة، قد يُوافق عليه وقد لا يُوافق تحليل المتون التي تعرض الآراء العقدية والكلامية بالاعتماد الكلّي على نصوص الوحي دون استحضار للسياقات التاريخية الثقافية والاجتماعية والسياسية سيؤدي بنا إلى اختزال في التحليل، ذلك أنّ أسباب الاختلاف العقدي لا تنشأ في المستوى التصوّري والإدراكي الذي يتعاطى مع
*
-
1. خُصص فصل في نهاية الكتاب بعنوان مقالات في أصول الإيمان، ومن ضمن هذه المقالات مقال بعنوان: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق، حاول فيه تفسير هذا الحديث المروي عن الرسول، لكن أهم ما يلاحظ في هذا التفسير أنه حاول قدر المستطاع أن يتخلّص من الذاتية باعتبار مذهب الكاتب (المذهب الإباضي)، فقد تناول في هذا المقال أنّ ما يُقتضى ممن يقول (لا إله إلا الله أنه لا يزني ولا يسرق، وإن أغواه الشيطان - لا قدر الله - وفعل ذلك وزنى أو سرق، فإن ما يُقتضى ممن يقول (لا إله إلا الله بعد فعل ذلك، أن يتوب، ويؤوب وينيب إلى الله تعالى، لكن السؤال: ماذا عن من يقول لا إله إلا الله بلسانه فقط ولكنه يزني ويسرق ثم يموت مصرا على ذلك دون أن يتوب؟؟ صحيح أن المقال لم يتناول هذا التساؤل حتى لا تشتغل العقول بالتصنيف والجدل مما سيعيق مقصد تأليف هذا الكتاب، بل وجّه قلمه الأدبي المؤثر إلى العلاج والحل العملي الذي يتفق الكل على ضرورته ووجوبه ألا وهو التوبة، ولكن هذا التساؤل يفرض نفسه بالقوة، فأهمية سؤال المصير في نفس درجة أهمية سؤال
*
المقتضى أو المدلول من قول لا إله إلا الله. انظر محمد بابا عمّي ومصطفى وينتن، أصول الإيمان، المرجع السابق، ص 147 ـ 148 ـ 149. البرادايم أو البراديغم تعريب لكلمة paradigm ، كلمة ماخوذة من الأصل اليوناني paradeigma وتعني مثالا أو نموذجا pattern. انظر: البعلبكي المورد قاموس إنجليزي عربي دون ناشر، دون طبعة، ص 656، والمقصود بالبرادايم النموذج المعرفي، وقد تناولنا تعريفه سابقا، عبد الوهاب المسيري، الثقافة والمنهج، مرجع سابق، ص 277، وانظر كذلك: عبد الكريم بكار تكوين المفكر، دار السلام للطباعة والنشر، القاهرة،
منير
2
3
2010، ط 1/ص 48
جاسم
سلطان النسق القرآني ومشروع الإنسان، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، لبنان، 2018، ط 1/ص 09. من بين الاعتراضات التي تتماشى مع هذا العنصر الأخير هو ما أورده الباحث محمد طباخ في بحثه بعد أن نقد هذه المقاربة بقوله: «ما وجب أن نؤمن به ليس محصورا في القضايا الست، بل أكثرية القرآن عقائد عرضتها الآيات البينات، وقد أمرنا القرآن الكريم أن نؤمن بالآيات المحكمات كلّها بما تضمنته من تشريع واعتقاد وسنن وقصص وغيرها، ولهذا فرأي صاحب المقاربة، أن ما وجب به الإيمان هو الأركان الست يحتاج إلى إعادة نظر»، انظر: محمد طباخ الوحدة العقدية وأثرها في تماسك المجتمع الجزائري، المرجع السابق، ص 265