العلاقة بين الإيمان ووحدة الأمة
الجزء ١ · صفحة ٥٤الفصل الثاني منهجية تحقيق وحدة الأمة
التحقيب الحضاري لمالك بن نبي - باعتبار أن هذه الاحداث وهذه الجهود الفكرية هي التي رسمت الخطوط العريضة للمدارس والمذاهب الفقهية أو العقدية التي هي مناط دراستنا - سنجد أنها برزت في المرحلة الثانية من دورة الحضارة، المرحلة التي اتسمت باختلال التوازن بين المادي والروحي، بين الكم والكيف، بين الغاية والسبب وفي مستوى الإدارة والتوجيه اتسمت بالفصام بين القيادة الفكرية والقيادة السياسية.
6
فعلم الكلام حسب مالك بن نبي لا يمكن أن يساهم في إطلاق شرارة النهضة أو الحضارة لأنّ هذه الشرارة لا تكون إلا بالتأثير في مجال النفس والوجدان من أجل الانتفاضة الحضارية - إن صح التعبير - ويكون كذلك بالنظر إلى مشكلة الحضارة والنهضة على أنها أولوية من أولويات الدرس العقدي، وليس المطلوب أن نرمي بهذا التراث الكلامي ولا نقرأه، فتشكلنا التاريخي مرتبط بهذا التراث ويجب أن نستفيد منه من أجل تصحيح مسار التاريخ من جديد يقول مالك: «علم الكلام لا يتصل في الواقع بمشكلة النفس، إلا في ميدان العقيدة أو المبدأ، والمسلم حتى مسلم ما بعد الموحدين، لم يتخلّ مطلقا عن عقيدته، فقد ظل مؤمنا، وبعبارة أدق ظل مؤمنا متدينا، لكن عقيدته تجرّدت من فاعليتها، لأنها فقدت إشعاعها الاجتماعي فأصبحت جذبية فردية، وصار الإيمان إيمان فرد متحلّل من صلاته بوسطه الاجتماعي، عليه، فليس المشكلة أن نعلّم المسلم عقيدة هو يملكها، وإنما المهم أن نرد إلى هذه العقيدة فاعليتها وقوتها الإيجابية وتأثيرها الاجتماعي، وفي كلمة واحدة: إن مشكلتنا ليست أن نبرهن للمسلم على وجود الله، بقدر ما أن نشعره بوجوده، ونملأ به نفسه باعتباره مصدرا للطاقة»، ثم يضيف: «وتغيير النفس معناه إقدارها على أن تتجاوز وضعها المألوف، وليس هذا من شأن (علم الكلام) بل هو شأن منهاج (التصوف)، أو بعبارة أدق، هو من شأن علم لم يوضع له (اسم) بعد، ويمكن أن نسميه (تجديد الصلة بالله».
من
هي
والذي نستفيده من مالك بن نبي هو أنّ الاشتغال بعلم الكلام وعلم العقيدة سواء تأليفا أو تدريسا يجب أن يُدرس بتناغم مع طبيعة المرحلة الحضارية، فالجدل الذي يقوم عليه علم الكلام قائم على البحث عن
1. مالك
2
3
169
بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، المرجع السابق، ص. عبد الحميد أبو سليمان أزمة العقل المسلم، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الولايات المتحدة الأمريكية، 1992 م، ط 2/ص 47. ربما هذه الملاحظة فى وقت مالك بن نبي. كانت صحيحة لكن في وقتنا الراهن وزمن انفتاح العوالم والفضاء الإلكتروني، وتغوّل الحداثة الغربية في مفاصل المجتمعات البشرية (العولمة) بما فيها المجتمعات الإسلامية بقيمها. الفردانية، الحرية، السيولة الاستهلاك، النسبية الاخلاقية إلخ.، ومع تنامي هذه الظاهرة انتشر الإلحاد بشكل كبير في مجتمعاتنا، صحيح أنه ليس لدينا إحصائيات دقيقة في هذا الشأن، لكن المتأمل فيما يُنشر ويتداول في المنصات الإلكترونية المختلفة يدرك أنّ الأمر ليس بالشيء الهيّن أو يمكن التغاضي عنه، انظر: عمرو شريف، الإلحاد مشكلة نفسية، نيو بوك
ص
new book للنشر والتوزيع، القاهرة، 2016، ط 1/ 4. مالك بن نبي وجهة العالم الإسلامي، المرجع السابق، ص
313
54
42