العلاقة بين الإيمان ووحدة الأمة
الجزء ١ · صفحة ٥٨الفصل الثاني منهجية تحقيق وحدة الأمة
ويضخم ما تبقى ويمنحه مركزية ويهمش الباقي، وتتم عملية الإبقاء والتهميش من خلال خريطة إدراكية تحمل تحيزاته، وقد يكون المرء واعيا بهذا التحيز وقد لا يكون واعيا به
ويمكن تجاوز التحيز أولا من خلال الوعى به وبأنّه مسألة حتمية في الوعى وفي عملية الادراك، وثانيا بعدم الاكتفاء بترديد المصطلحات والدلالات المختلفة التي تعبّر عن الظواهر المختلفة، وإنما بالنظر في الظاهرة ذاتها، لأن تسمية ظاهرة والاصطلاح عليها يخضع لتحيّز صاحب الاصطلاح، والذي يمكن أن يكون قد نظر إلى الظاهرة من زاوية معينة فضخم أمرا وهمش واستبعد آخر، فالتسمية ليست بريئة تماما.
وهذا يأخذنا لموضوع آخر وهي قضية سك المصطلحات، للتعبير عن الظواهر المختلفة للواقع، «وكلمة (مصطلح) من الفعل (اصطلح) ومعناه اتفاق طائفة ما على شيء مخصوص، ولذا سمي علم الاصطلاح بـ علم التواطؤ لأن القوم اتفقوا وتواطؤوا على اصطلاح ما لظاهرة معينة بكلمة كذا، وتحديد المفاهيم والمصطلحات مسألة ضرورية لضبط وتنظيم العملية الفكرية، وتأطير ممارسات الفكر الاجتماعي في سياق منهجي بعيدا عن الفوضى والشتات الذهني من أجل صياغة منطق مشترك بين تفاعلات الأفراد، ويتم ذلك عادة نتيجة تراكم معرفي حضاري وممارسات فكرية لمدة من الزمن، ويتبع ذلك محاولة تقنين هذه المعرفة المنتجة»
3
وقد اهتم المسيري بقضية التحيّز والمصطلح في إطار نقده للحداثة الغربية، لما وجد أن الثقافة العربية تترجم المصطلحات والمفاهيم التي تولّدت في السياق الغربي بحرفية، دون اعتبار ونظر في هذه السياقات، وكأن المصطلح منعزل تماما عن سياقه التاريخي والاجتماعي والحضاري والثقافي والخروج من هذا المأزق الثقافي يكون بإلغاء الاعتماد على الترجمة لأسماء الأشياء ومعانيها، وبدلا من ذلك لابد أن ننظر إلى أي ظاهرة في سياقها ثم نحاول توليد مصطلح من داخل معجمنا.
وعي
ويضرب المسيري أمثلة لهذه المصطلحات المترجمة من الحضارة الغربية دون بذل أي جهد في تفكيكها، أو منا بتحيّزاتها الكامنة، مصطلحي الحرب العالمية والعصور الوسطى، فأما الأول لم تكن عالمية أبدا وإنما كانت غربية، لكن بما أنّ الغرب يعتبر نفسه مركز العالم والباقي عبارة عن أسواق ومناجم طاقة وأحواض بترول، فإن ما يحدث في الغرب هو المركزي وهو العالمي، وإذا كان هناك ثقافات أو مجتمعات خارج هذه الدائرة فهم
1
المرجع نفسه، ص 326
2. عبد الوهاب المسيري، اللغة والمجاز بين التوحيد ووحدة الوجود، المرجع السابق، ص
3
212
عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، دار الشروق، سنة 1999، ط 1/ ج 1 / ص 41 4. عبد الوهاب المسيري، الثقافة والمنهج، المرجع السابق، ص
350
46