العلاقة بين الإيمان ووحدة الأمة
الجزء ١ · صفحة ٨٨الفصل الثالث: الدرس العقدي ووحدة الأمة
المطلب الثالث شمولية تصور الوجود.
والمقصود به توجّه العقل في بحث القضايا توجها شاملا بتناولها من جميع جوانبها، واستجماع جميع المعطيات المتعلقة بها ضمانا في ذلك للوصول إلى الحق فيها، فإن تقصي المعطيات في موضوع البحث، واستجماع كل ما له علاقة به عند النظر فيه من شأنه أن ينير السبيل في كشف حقيقته. أما النظر الجزئي المقتصر على
1
بعض المعطيات والجوانب فإنه بفضي في الغالب إلى الرأي المنقوص، ولا يكشف الحقيقة الكاملة
1
وفي العقيدة الإسلامية ما يربي العقل على هذا المنهج الشامل فهي تمنح صاحبها تصوّرا شاملا للوجود بكل أبعاده، ومن خلالها يرسم الإنسان علاقته الناظمة الله، مع ومع نفسه، ومع الإنسان بدوائره المتدرجة بدءا بأهله وعشيرته ومجتمعه ثم الأقرب فالأقرب إلى أن تصل إلى الدائر الأكبر دائرة البشرية والإنسانية، والعلاقة الأخيرة مع الكون والوجود الطبيعي المحيط به، فكل ما يحيط بالإنسان من طبيعة وجبال وأفلاك وبحار وجبال … إلخ، هي من صميم الوجود الإنساني، والإنسان ليس مركز الوجود، كما أنه ليس طرفا أو عنصرا هامشيا لا يتفاعل معه، «بل له علاقة بكل ما يحيط به، يرتبط بما حوله على المنهج الذي وضعه الله تعالى له حتى لا يضيع ولا يضيّع،
ويبني وينتفع، ويصلح ولا يفسد، قال تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا {الأعراف 256
ومن صور شمولية تصوّر الوجود «ردّ هذا الوجود كله .. بنشأته ابتداء، وحركته بعد نشأته، وكل انبثاقة فيه، وكل تحور وكلّ تغيّر وكلّ تطوّر. والهيمنة عليه وتدبيره وتصريفه وتنسيقه … إلى إرادة الذات الإلهية السرمدية الأزلية الأبدية المطلقة» وهذه الآيات الدالة على هذه الصورة من صور شمولية التصوّر:
3
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴿القمر 49﴾
وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا {الفرقان 02
وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارِ ﴿الرعد 08﴾
الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴿طه 50﴾
وإِنَّما قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿النحل 40﴾
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ {الأعراف 54
عبد المجيد النجار، دور حرية الرأي في الوحدة الفكرية بين المسلمين، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الولايات المتحدة الأمريكية، 1992 م،
ط 1 / ص 33. 2. نفس المرجع، ص 91
3. سيد قطب، خصائص التصور الإسلامي ومقوماته، المرجع السابق، ص
96
76