العلاقة بين الإيمان ووحدة الأمة
الجزء ١ · صفحة ٩١الفصل الثالث: الدرس العقدي ووحدة الأمة
ويري
أحد الباحثين أن المقاربات التربوية في عصرنا الحالي - بعد أن استعرض أبرزها - «والتي تتزاحم وتتدافع في التحكم بالإنسان والإيقاع به في شراكها، وتسعى جاهدة أن تطعمه من فتات فكرها، وكتالوج صورها الإدراكية، وتشحنه بقناعاتها النمطية وخارطتها الإدراكية»، فشلت في فهم الإنسان في كلياته لأنها لم تستأنس بالوحي في إدراك أبعاده وجوانبه المختلفة وجلي للمتأمّل أنّ كلّ مدرسة ومقاربة قد جنت من إنسانها بالقدر الذي زرعت، إلا أن إخفاقها كان جارفا حين لم تستطع أن تخاطب الإنسان كله ولم تستطع أن تنفذ إليه من كل موارده: قلبه، وعقله، وأركانه»
وإذا استطعنا أن نخاطب كليات هذا الإنسان وأبعاده المختلفة من خلال الوحي، وتجمعت هذه الكينونة الإنسانية المركبة بعد أن كانت مبعثرة الأطراف، إذا تمكنا من ذلك فإننا سننتج الإنسان الذي يكون طليعة في التاريخ، هذه الحقيقة التي أنتجت لنا الجيل الأوّل من المسلمين، يقول سيد قطب: «وحينما بلغت هذه الحقيقة أوجها في المجموعة المختارة من المسلمين الأوائل صنع الله بها في الأرض أدوارا عميقة الآثار في كيان الوجود الإنساني، وفي كيان التاريخ الإنساني»، ولنا أن نسأل بعد كل هذا: «ما الذي جعل صحابي الأمس ينطلق بفعالية مئات الكيلومترات (800) في بيداء شبه الجزيرة من المدينة إلى تبوك) رغم الحرّ (45 - 50 درجة)، وقلة ذات اليد التعاقب في المركب على الدابة الواحدة والصوم في شهر رمضان؟ وما الذي أودى بإنسان العصر ممن تنزلت عليه نفس الآيات والنصوص إلا أنّه سلب الفعالية والانطلاق … »، ببساطة لأن هذا الصحابي فهم جيدا دوره في هذا الوجود وبأنه مستخلف من الله فيه، وعلى عاتقه يحمل مسؤولية هداية الخلق، فالقرآن الكريم قد صاغ تصوره الشمولي للوجود.
4
هذه هي إذن أبرز الخصائص التي تتميّز بها العقيدة الإسلامية، وبسببها يصير أمر البحث في شأن وحدة الأمة أمرا لازما وعلى كلّ من يشتغل في المجال العقدي أن يحمل هذا الهمّ. وفي المبحث التالي سنذكر الشروط اللازمة لتحقيق وحدة الأمة من خلال الدرس العقدي
1
طه كوزي، القرآن نسخة من الإنسان، دار النشر: كتابك، 2017، ط 1 / ص 174
2. نفس المرجع، ص 177
3. سيد قطب، خصائص التصور الإسلامي ومقوماته، المرجع السابق، ص 113 4. طه كوزي، القرآن نسخة من الإنسان، المرجع السابق، ص
177
79