السيرة النبوية في العهد المكي
الجزء ١ · صفحة ٣٦لكل فقرة، لأنّ السند يلحق النصّ الأوّل، وما ورد تبعا فليس بالضرورة أن يكون له نفس حكم الجزء السابق عليه ونتصوّر أيضا أن هذه قاعدة جليلة بنى عليها مخرجو الأحاديث طريقة عرضهم للنصوص، لكن من جاء بعدهم لم يراع هذا الأمر، فصار يلحق تبعات الأحاديث التي لا سند لها بما ورد سابقا، وغالبا ما تكون هذه التبعات سببا لوقوع التناقضات مع الأحاديث الأخرى، أو سببا لتعسّر مع بين النصوص والآيات إلّا بتكلف أو تأويل، ونعتقد إزاء ذلك أنه لو وظف المسلمون هذه القاعدة المنبنية على تحقيق نص المخطوط جيدا بعد تتبع النسخ الخطية، وإظهار أثر السند الذي يلحق الحديث، من النص التابع له، ووضع الانتهاء في موضعها الصحيح، لانكشف الكثير مما خفي على الناس، ولرفعت عن الأمة الإسلامية، ولسلم الناس من القيل والقال، ولتجنبوا الصخب فيما يختلفون حوله الآن، وبالأخص في المجال العقدي والفقهي، أو غيرهما، ولسهل عليهم التفاهم مع بعضهم، وإزالة الفرقة والشحناء بينهم، والله نسأل أن يعيننا مستقبلا على إظهار هذا الأمر تطبيقا عمليا بإذن الله.
الكلفة
نقاط
وقبل أن نغادر مصرح التعليق على قاعدة قراءة الحديث ينبغي الإشارة أيضا إلى أنّ هناك فرقا كبيرا جدا بين شرح القدامى القريبين من مخرجي الأحاديث، وبين الشراح المتأخرين عنهم، وكتمثيل واقعي توجد طريقة شرح ابن بطال للبخاري، وهو الشارح الأوّل فيما أعلم غير الشارح الثاني "ابن حجر" الموسع في شرحه والمتأخر زمنا عن الأوّل؛ فالأوّل يكتفي بشرح المفردات، وعدم التشديد على استخراج أحكام يقينية من النص، لأنّ للنص عنده مستويات متعددة؛ منه ما اتصل سنده، ومنه ما لا يلحقه السند، بخلاف الثاني ومن جاء بعده، فيعتبرون كل ذلك له
32