السيرة النبوية في العهد المكي
الجزء ١ · صفحة ٤٢الراهب بالرسول الطفل، حيث راح الراهب يحدّث العربي الصغير ويخبره بعقيدة عيسى، ويعلّق المستشرق بودلي بأنّ ذلك سيكون له أثر على أفكار محمد فيما بعد
عند الدعوة إلى الدين الجديد، فيقول: "وما كان الراهب المؤثر الجديد الوحيد في
(1) ،
محمد في ذلك الوقت - بناء على ما مرّ، وما يحمله السند من اضطرابات فقد حكم الذهبي بنكارة ألفاظ الرواية (2). ونحن بدورنا نُعمل القاعدة التي استنتجناها في القضية السابقة "حدود النص التابع للسند"، فنجد أنّ سند حديث الترمذي لا يتعلّق إلا ببداية القصة، وينتهي قبل بداية أوّل مقول، "فَلَا يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ وَلَا يَلْتَفِتُ"، وما جاء بعده "قَالَ: فَهُمْ يَحُلُّونَ رِحَالَهُمْ … قَالَ: هَذَا سَيِّدُ الْعَالَمِينَ، هَذَا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَبْعَثُهُ الله رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ"، فكل ذلك لا يلحقه السند.
ويؤيد نظرتنا أنّ ما سبق من المعلومات وأثبتنا) فيه السند واضح ليس فيه إشكال، كخروجهم إلى الشام رفقة غلام صغير، والتقائهم براهب، فكل هذا ليس بالأمر الغريب، لكن أن يُنقل كلام خطير فيه تنبّؤ راهب بنبوّة صبي قبل أكثر من ربع قرن من الحدث أمر في غاية الغرابة، ولا يقل الأمر عجبا أن تحدّث الرواية عن سجود الأشجار لطفل سيصير نبيئا بعد أمد مع أن النبيء نفسه سيقرّ أنّ الخلائق لا يحق لها أن تسجد إلّا لربّ واحد لا شريك له. ولأجل هذا وغيره نعتبر دون هوادة أنّ كل ما ورد بعد الفقرة الأولى، وبعد كلمة قال الثانية
(1) ر. ف. بودلي: الرسول حياة محمد، ترجمة: محمد محمد فرج، وعبد الحميد جودة السحار، ص 39. (2) الذهبي: تاريخ الإسلام، 571 وقال عن الحديث: " ورواه الناس عن قُراد، وحسنه الترمذي، وهو حديث منكر جدا".
38