الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٦٢462
تحفة الأنام فيما لسمائل الفيحاء من معالم وأعلام
هي من أدَب النثر في رؤعته، وفصيح الكلام في بلاغته، يَصُبُّ الأديب فيها الكلام صَبَّا، ويَسْبِكُه قالَبًا ولُبّا، يُفرغ فيه كِنانته، فيُتقن جملته وعبارته، وذلك يدلُّ على الملكة الكبرى، في العربيّة نظما ونثرا، وهذه المقامة لشيخ البيان وأميره، فقلما تجد له من مُجَارٍ في خَطوه ومَسيره، إذ ملك ناصية البيان، وشهد له بذلك القاصي والدان، فهو العبقري الكبير، والشاعر الأمير، ذو المجد الراسخ، والشرف الباذخ عبد الله بن عليّ، مَن ينتمي إلى آل خليل، ويرتقي إلى أهل العِزّ والتبجيل، ومقامَته هذه من جملة مقامات، أطلق على كلّ واحدة منها ما يليق بها من مُسَمَّيَات، فالأولى نزويّة، والثانية سمائلية، والثالثة سمديّة، والرابعة جَعْلانية، والخامسة التساؤليّة، فَلْنَغُض في بحر مَقَامَتِه السمائلية، لنلتقط من مكنوناتها الدُّرِّيَّة، وقد وجدت مع أبناء الشيخ نسختين مخطوطتين، بينهما زيادة ونقصان،، فعسى من يأتي من يُحَقِّقُهما وينشرهما، ليتضح الأمر في أكمل بيان، وأوضح عنوان وقد وضعنا في هامشها معاني لكثير من كلماتها المُعَمَّاة، لِيَسْهل الوصول إلى فَهم الكلام ومعناه.
وإلى المقامة، فدُونَكَها أيُّها القارئ الكريم، قال:
«حَدَّثني أبو الصَّلْت الشَّاري بن قحطان قال: كنتُ أمشي مَرَّة بوَادٍ كَشِعْب بَوَّان)، ذي رَوْحٍ ورَيْحان، وأفانين وأفنان، وأطيار وغزلان، فمن
(1) بوان: بفتح الباء وتشديد الواو، شِعْب بَوّان بأرض فارِس قُرْب شيراز إلى الجنوب، وهو أحد المتنزهات، قال الشاعر: إذا أشرف المحزون من رَأْسِ تَلْعَةٍ على شِعْبِ بَوَّانَ اسْتَرَاحَ من الكَرْبِ.
ويقع بين أرجان والنوبندجان،
وهي
أحد
متنزهات الدنيا المعروفة بالحُسْن والطيب والنزاهة
وكثرة الأشجار وتدفّق المياه وأنواع الأطيار. قالوا: جنانُ الدنيا أربع: صَفَدُ سمرقند، وغوطة دمشق، وشعب بوان، ونهر الأبلة.
وقال أحمد بن محمد الهمذاني: من النوبندجان إلى أرجان ستة وعشرون فرسخاً، بينهما شِعب
بوان.