الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٢٩الباب الرابع: في استحالة أن تكون الصدفة هي أساس وجود الكون
429
سلك القائلون بأنّ وجود الكون صدفة - أي بدون صانع صنعه وأخرجه من العدم إلى الوجود - طرائق قددًا، لا تعود عليهم بطائل، وإنما تنادي جميعا عليهم بأنهم هائمون في متاهة لا ينتهون فيها إلى غاية، ولا يجدون في أرجائها ظلا يقيهم هجيرها، أو معلمًا يمكنهم أن يسترشدوا به بل هم متسكعون في ظلمات أطبقت عليهم من كل جانب، فلا يأملون أن يصلوا إلى مخرج منها، أَوْ كَظُلُمَةٍ فِي بَحْرٍ تُعِيّ يَغْشَهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ، مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ، سَحَابٌ ظُلُمَتُ بَعْضُهَا
فوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرنَهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورِ) [النور: 40]. ناهيك أن كل ضجيج يثيرونه حول الدين ويكابرون به حقائق الإيمان لم يأت بأي دليل على أنّ فعلا يمكن أن يكون من غير فاعل، أو أن أثرًا يحدث من غير أن يكون وراءه مؤثر، فهم لم يقووا قط على أن يخترعوا دليلًا واحدًا يستندون إليه في كون هذا الكون تَكوّن من قبل نفسه ولم يحدث بإرادة موجد أخرجه من العدم إلى الوجود، وإن زعموا ذلك فليأتوا بهذا الدليل، بينما الأدلة على خلاف ذلك شاهدة وقائمة في كل شيء تصدع بحجتها التي تجلجل في جنبات الوجود، فمن أدنى صنعة كإبرة الخياطة إلى أضخم الصنائع كالمحركات الضخمة والبواخر العملاقة والقطارات الواسعة والطائرات المتطورة الهائلة لا يخطر ببال أحد أنّ شيئًا من ذلك حدث بدون إرادة وتصميم وتنفيذ ومثل ذلك المنشآت العمرانية فليس في وسع عقل أحد أن يصدق أن شيئًا من هذه المباني الشاهقة ـ التي كأنما هي تعانق السحاب، وتناغي النجوم - تكوّن من ذات نفسه بفعل الطبيعة، من غير