الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١١بين يدي الكتاب
11
أما بعد:
المظلمة
فإن أجل ما تجلّى للعقول المبصرة النيرة، وجادلت فيه النفوس الحائرة وجود الله، فإن وجوده أظهر من أن يحتاج إلى بيان كيف؛ وإن من شيء - وإن دق حتى لم يكد يظهر - إلا هو دليل عليه، ولو تأمل المجادل فيه فيما انطوت عليه نفسه، واشتمل عليه جسمه، لوجد أن كل جزيئة في جسمه تخاصمه فيما يجادل، وتبدد ظلمات مجادلته الباطلة بأنوار الحجج الدامغة وآثار الحق اليقين، إذ ما من جزيئة مما انطوى عليه أي جسم، أو اشتمل عليه أي، جرم إلا وهي ديوان حافل بآيات الله البينات، لو تضافرت جهود البشر جميعًا على تلاوته وتعاقبوا عليه قرنًا بعد قرن، لما أمكنهم استقصاؤه، كيف؛ وجميع ذرات الكون إن هي إلا أسفار زاخرة بكلمات الله تعالى التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَعْلَمُ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: 27]، وما هو إلا مثل ضربه الله تعالى لإدناء الحقائق الغيبية في صورة المشاهد المألوفة، وإلا فأمر الله تعالى أجلّ من ذلك كله، إذ لا يمكن أن يقاس الغيب بالشهادة، أو المطلق بالمحدود، فما من شيء جليّ أو خفيّ يفتح عليه الإنسان عينه، أو يَرِدُ على