الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٨٧الباب الرابع: في استحالة أن تكون الصدفة هي أساس وجود الكون
487
ثم أضاف بعد ذلك أنّ «وجود خلية واحدة تقوم بكل العمليات الحيوية التي تقوم بها باقي المخلوقات التي تتركب من تريليونات الخلايا، وتستطيع أن تحافظ على بقاء سلالتها إلى اليوم هو إبداع يثير الذهول، لكن أدعياء نظرية التطور يحقرون من شأن هذه المخلوقات البديعة لكي يوهمونا بتطورهم المزعوم". إن الحقيقة لا تكابر ومهما حاول معاند إخفاءها فإنها لا بد أن تطل برأسها وتصدع بحجتها، وتقهر كل من يناوئها.
وفي تعب من يحسد الشمس ضوءها ويجهد أن يأتي لها بضريب وإذا كان من الحقائق ما يمكن أن يكابر فيه مكابر لخفائه، فإن خلق الإنسان، وخلق هذا الوجود كله هو حقيقة أكبر من أن تخفى وراء حجب العناد والمجادلة، فكيف يمكن للإنسان أن ينكر نفسه؟ ولكن العناد إن تأصل في النفس أصبح داء عضالًا حتى يتصور المعاند أن بإمكانه أن يخدع العقول، ويطمس الأبصار، ويسلب الأفهام حتى لا تصل إلى ما يسعى إلى إخفائه من الحقائق، ولا يخفى أنّ كل كلمة من كلمات الله تعالى هي برهان ساطع لا يمكن لمكابر أن يطمس نوره، وما أدراك ما كلمات الله والله سبحانه يقول: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَمُ خرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [لقمان: 27]، قد تبينت لك بعض الصور من كلماته تعالى فيما سبق من بيان آثار خلقه، سواء خلق الإنسان وغيره من الأحياء أو خلق سائر الوجود، فإذا كانت الذرة الواحدة مما في تضاعيف هذه الموجودات تعجز جميع العقول، وتخرس الألسن، وتفنى جميع الأقلام، دون ترجمة ما فيها من كلمات الله، فما جميع بالك بكلماته تعالى فيما اشتمل عليه هذا الوجود من برمجيات دقيقة هي في غاية الإتقان ومنتهى الإبداع، لا تجد العقول سبيلا إلى محاكاتها.
وَالْبَحْرُ
(1) المرجع السابق، ص 62 ـ 64. «بتصرف»