الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥١١الباب الخامس: في شبهات الملاحدة
511
قد علمت مما تقدم ومن هاجس فطرتك؛ أنّ وجود الله سبحانه حقيقة راسخة في العلم مقنعة للعقل لا يجادل فيها إلا الأغمار، وأي شيء في الوجود له من الشواهد الدالة على وجوده كالشواهد الدالة على وجود الله؟ ناهيك أن تكون كل ذرة في الوجود هي كتاب من الله، تتجلى فيه آياته العظيمة التي تنادي على من يجحد وجوده بالسخف والخبل والأفن والهذيان، ولكن مع ذلك لا يزال من بين الناس من يتعامى عن هذه البراهين ويتصامم عن هذه الأصوات ويتجاهل هذه الحقيقة، بل يكابر فيها بمحاولته ينسج من خياله شبهة تلبسها على العقول.
أن
ومن أشهر هذه الشبه تلك الشبهة الطفولية السخيفة ـ التي يرددها السخفاء المخبلون - وهي إذا كان الله خلق الخلق، فمن الذي خلقه هو»؟. وهذا يعني أنّ هؤلاء لم يصلوا إلى التفرقة بين الوجود الواجب، والوجود الجائز، فإنّ جميع الموجودات - ما عداه - لا يتعدى وجودها حدود الإمكان إلى الوجوب، ولذلك لم تكن أزلية الوجود، وكان وجودها مكتنفا بالعلل ومبتدأ بالأسباب، أما وجوده الله فهو وجود واجب، ولذلك لم يسبقه عدم ولن يتبعه فناء، فهو الأزلي الأبدي لا تأثير لشيء عليه، وإنما هو يؤثر على كل شيء، وقد توقف عليه وجود كل ما سواه بينما كل ما عداه لا يتوقف على وجوده وجود غيره ولو كان يرتبط به برباط السببية كالوالدية والمولودية، فإنّ الأسباب تتعاقب ولا تتعين فيمكن أن يوجد الموجود بسبب غير ذلك السبب، بحيث يكون مثلا له والد آخر، أما الله سبحانه فإنّ وجوده يتوقف عليه وجود