الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٢٦126
مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان
المبحث الأول
في تأسيس القول بضرورة الإيمان
بين
إن الإيمان بالله واليوم الآخر هو أساس كل خير يعود إلى الناس في دنياهم وآخرتهم، ومصدر استقرارهم النفسي والاجتماعي، وسبب انتظام شملهم ودوام، ألفتهم، ومهما فُقد الإيمان بالله أو الإيمان باليوم الآخر في حياة الناس هاجت الشرور من نفوسهم، وماجت حياتهم بالفتن التي تهلك الحرث والنسل، وتقلق النفوس، وتوجف القلوب وتقضي على كل راحة وسكينة. فإن الإيمان بالله إنما هو إيمان بالخالق العظيم الذي أوجد هذا الوجود من العدم، وأبدعه في هذا النسق العجيب والنظام الرتيب الذي ألف دقائقه وجلائله، فانتظمت ذراته ومجراته، وتناسقت حركاتها، وتآلفت طبائعها، حتى غدت كل ذرة منها آخذة بحجزة أختها، وانتظمت مع ذلك جزيئاتها وعناصرها وائتلفت مركباتها، وشمل ذلك نظام الوجود كله، حتى وسع المجرات العظمى التي تسبح في خضمها تلك الأجرام الهائلة التي لا يحصى لها عد، ولا يدرك لها حد، فانتظم هذا الوجود كله ـ بأبعاده المترامية وآماده السحيقة - فأصبح يشكّل وحدة متكاملة ينعم بالعيش به كل ما انخرط في نظامه، واندرج في تضاعيفه، إذ لا يجد فيه نشازا ولا اضطرابا، الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ حَاسِنَا وَهُوَ حَسِيرٌ} [الملك: 3 - 4].