الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٢٧الباب الأول: في تعزيز الإيمان بالغيب وبيان ضرورته في حياة الناس
127
المبحث الثاني
مكانة الإنسان في هذا الكون
من
قد شرف سبحانه الإنسان من بين سائر مخلوقاته؛ بما آتاه الملكات الظاهرة والباطنة واختصه به من آلائه الروحية والمادية، ومنحه بفضله منافع الأرض وما اشتملت عليه، وسخّر له ما انتظمه الوجود سفليه وعلويه، ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]، ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: 13].
وكما خلق هذا الوجود كله بقدرته دبره بحكمته، فساده النظام والوئام وقد انفرد تعالى فيه بالخلق والأمر، فإنّ هذا الكون كله إنما هو مملكته تعالى، تستجيب فيه كل ذرة لأمره، وتنقاد لحكمه، وتسبح بحمده، وتعلن بلسان حالها افتقارها في كل حال إليه، وهذا يعني شمول لطف رعايته تعالى لجميع أرجائه، ولو تخلى عنه في أقل من لحظة لهوى إلى غير قرار، {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَاً وَلَين زَالَنَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا
غَفُورًا} [فاطر: 41].
C
وما هذا الإنسان إلا نقطة في تضاعيف هذا الكون اختصه الله بألطافه الغامرة فهو يسبح في خضم هذا الوجود، تحوطه عناية الله وتحرسه رعايته، مر بمراحل وأطوار حتى برز في صورته الجمالية البهية، واستمرت رحلته منذ كان خلية مهينة إلى أن صار بشرًا سويًا مكرما، ثم تدرج بعد ذلك في مدارج