مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٧٩

الباب الأول: في تعزيز الإيمان بالغيب وبيان ضرورته في حياة الناس

179

المبحث الرابع

في كون الدين لا يمكن أن يخترع بالتجربة البشرية أو مقاييس العقول المحدودة

لا ريب أن الدين - وإن كان استجابة لداعي الفطرة، ومتوائما مع قضايا العقل السليم - لا يمكن أن يكون اختراعه من قبل البشر أنفسهم، إذ لم يؤتوا من القوى العقلية ما يمكنهم أن يهتدوا به من تلقاء أنفسهم إلى الدين الذي يرضي الله عنهم، ويضمن لهم السلامة والاستقرار في مسيرهم، والسعادة والفلاح في مصيرهم، فإنّ الإنسان وإن ميز عن غيره بموهبة العقل، إلا أنه يظل من كل جانب محدودًا بمحدودية مخلوقيته، فعلمه بحقيقة نفسه، وطبيعة فطرته، وعلاقته بالمنظومة الكونية، علم محدود لا يحيط بكل شيء، بل لم ينكشف له إلا النزر اليسير من ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قليلًا﴾ [الإسراء: 85].

على أن طبيعة الإنسان غريبة في تكوينها، فهو روح وجسم، وفي طيه عقل وقلب، يتولد منهما فكر ووجدان، ويتفاعل في نفسه إدراك وعواطف ويتجاذبه إلهام وغرائز، ولكل من ذلك تأثير في الجذب والدفع، هذا بالنظر إلى كل فرد من أفراد جنسه أما بالنظر إلى الجنس البشري بأسره فإنّ كل فرد من أفراده له مصالحه الذاتية، ونظرته الشخصية، وبعده الخاص في شئون الحياة بأسرها مع تداخل المصالح وتشابك المنافع بين أفراد هذا الجنس، لأن حياتهم جميعًا مدنية بطبعها اجتماعية بتكوينها، لأجل هذا كانت حياة