مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٨٠

180

مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان

كل فرد بحاجة إلى التنسيق بين جوانبه المختلفة، وقواه المتعددة، وما يلابسها من منافع أو مضار، كما أن حياة المجتمع البشري هي بحاجة إلى المواءمة بين مصالح جميع الأفراد والفئات حتى لا يطغى بعضها على بعض، وحتى لا يتحكم القوي في مصالح الضعيف.

والعقل - وإن كان هو فيضا نورانيا من الله تعالى - هو محدود الطاقة، ولذلك كان محدود الإدراك، فلا يحيط بمنافع الخلق جميعا، بل لا يحيط حتى بمصلحة صاحبه وشأنه شأن الحواس الظاهرة، فكما أن حاسة البصر لا تحيط بجميع المبصرات، وحاسة السمع لا تحيط لا تحيط بجميع الأصوات، بل تحجب كلا منهما حجب تحول دون الإدراك، فالبصر لا يصل إلى ما وراء الحجاب على أنه يرى الظاهر دون الباطن والقريب دون البعيد، والسمع لا يصل إلى الخافت من الأصوات أو ما يأتي من بعيد منها، وكذلك سائر الحواس، كذلك قوة العقل؛ لا يمكن أن تنفذ إلى بواطن الأشياء وأعماقها، وجوانبها وأبعادها على أنه تؤثر عليه مؤثرات شتى بعضها نفسي، وبعضها

اجتماعي.

فتجد البيئات المختلفة لها أثرها على العقول، فتستحسن بيئة ما تستقبحه بيئة أخرى ويسري ذلك على كل من يكون في أجوائها، على أن للنفس في نزعاتها وأهوائها تأثيرًا أيضًا على مدارك العقل، فتجد قريبين ناشئين في بيئة واحدة عائشين في محيط واحد يتباينان في استحسانهما واستقباحهما؛ بحسب مؤثرات نفسيهما بتأثير نزعاتهما وأهوائهما، وما يلائم كلا منهما وما يعاكسه.

وإذا كان العقل محدود الطاقة محصور المدارك فأنّى له أن ينفذ إلى ما وراء هذه الحواجز جميعًا، فيصل إلى الحقيقة والحق، ويتمكن من إعطاء كل شيء حكمه، وإنزال كل أمر منزله؟! وهو في إشعاعه لا يعدو أن يكون