الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٤٥الباب الثاني: في الإلحاد
345
وَسَخَّرَ لَكُمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية: 13]، على أن هذا التشريف الذي شُرِّفَه هو مصحوب بتكليف منه تعالى بأن يضطلع بأمانته
سبحانه.
فإنّه الأمين على ما خوّله لتوجيهه إلى الغايات المثلى، وما كان الله تعالى ليأتمن الإنسان على هذا كله إلا بسبب ما أودعه في تكوينه من طبيعة تميزه و ملكات تمكنه وقدرات على تصريف ما تحت يده تصريفا أمينا إن استلهم منهجه في الحياة ممن استخلفه فيها وآتاه من فضله، وأغدق عليه كرمه
المدرار.
وقد بيّن تعالى هذه المكانة العالية التي بوأها الإنسان عندما قال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي عَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَتَهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ ممَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70، ولأجل هذا كله كان العدوان على أي حق من حقوقه انتهاكًا لحق الله تعالى الذي شرع هذه الحقوق للجنس الإنساني، لا سيما حق الحياة ومما يدل على جسامة هذا العدوان وفحشه وسوء عاقبته قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أحيا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: (32)، وقد قرن تعالى بين عقوبة الشرك به وعقوبة العدوان على النفس البشرية في قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَ اخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَعَفْ لهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: 68 - 69].
وكذلك شدد الله سبحانه في انتهاك أي حق من حقوق الإنسان سواء كان حقا ماليا أو حقا اجتماعيًا، كما هو صريح قوله: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَلَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ إِلَّا أَن تَكُون تجرةٌ عَن تَراضِ مِنكُمْ وَلَا