الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤١٤414
مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان
المبحث الأول
فيما مرّ على الأمم من أفكار ملحدة
ليس الإلحاد في الناس وليد اليوم أو الأمس، وإن رفع ملحدو هذا العصر عقيرتهم مفاخرين بأنهم في تقدمهم الفكري وصلوا إلى نقطة الإلحاد، فقد دل القرآن على وجود الإلحاد بين الناس منذ عصور سحيقة، فقد حكى حوار الأنبياء الذين أرسلهم الله تعالى لإنقاذ الأمم من ضلال العقول، والارتكاس في التصور إلى حضيض الباطل مع أقوامهم الذين أرسلوا إليهم، كما في قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمٍ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ * قَالَتْ رُسُلُهُمْ أفِي اللَّهِ شَكُ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} [إبراهيم: 9 - 10]، فإنّ فيه ما يدل على أنّ أولئك بلغ بهم انطماس البصائر وفساد العقول إلى عدم الاعتراف بالله سبحانه، ولذلك احتجت عليهم رسلهم بآيات الله تعالى الدالة عليه في الآفاق، ودعتهم إلى النظر في خلق السماوات والأرض، فإنّ كل ما فيها إنما هو شاهد ودليل على الله تعالى.
على أن هذا الفكر المظلم الحائر قد امتد في تاريخ الأمم، كما نجد ذلك فيما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَانُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا هُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: 24]، فإنّ هؤلاء الذين