الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٧٧الباب الثالث: في براهين الإيمان
277
ثانيها: قوله: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: 47]، أي لقادرون، ومنه قوله تعالى: لا يكلف اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، أي قدرتها والمناسبة حينئذ ظاهرة، ويحتمل أن يقال بأنّ ذلك حينئذ إشارة إلى المقصود الآخر وهو الحشر، كأنه يقول: بنينا السماء، وإنا لقادرون على أن نخلق أمثالها، كما في قوله تعالى: {أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم) بس 81] ثالثها: إنا لموسعون الرزق على الخلق).
فإنا لا يسعنا أن نغمض العين عما انكشف للعالم من هذه الحقيقة الكونية التي كانت غامضة من قبل، حتى كادت الآن تصل إلى درجة اليقين، ونبعدها عن دلالة الآية الكريمة، إذ لا ريب أنّ الله سبحانه وعد في كتابه بكشف آياته في الأنفس وفي الآفاق حتى يوقن المرتابون بأنه لا يمكن إلا أن يكون من عند الله، وذلك بما يكون من انطباق آيات الله في تنزيله على الحقائق المكتشفة من آياته في هذا الوجود الواسع المترامي، ولعله مما يؤكد دلالة الآية الكريمة على هذه الحقيقة الكونية التعبير باسم الفاعل في قوله: وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ، وهو يدل على استمرار هذا الوصف وبقائه، ومعنى ذلك أنّ هذا الإيساع سيطرد بمشيئة الله تعالى إلى أن يأذن الله تعالى بنهاية هذا الكون. ويحكي د. ماهر الصوفي عن موجز تاريخ الكون لمؤلفه د. هاني رزق أن نظرية توسع الكون قبل أن تصبح حقيقة واقعة ترجع إلى الرياضي الفيزيائي الروسي ألكسندر فريدمان الذي وضع نماذجه الرياضية بناء على قراءة صحيحة للنسبية العامة، ووضع حلولا تنبثق عن هذه القراءة، وبرهن بوساطتها على وجود بداية لهذا الكون حدث فيها الانفجار الأعظم، وعلى أنّ هذا الكون يتوسع باستمرار، وكما يمكن الاستنتاج من قراءة الأبعد لنماذج
(1) الرازي: مفاتيح الغيب سورة الذاريات (الآية (47) مج (14) 227/ 28