بيان أثر الاجتهاد والتجديد في تنمية المجتمعات الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ١١٥المحور الثالث: أثر الاجتهاد والتحديد على تنمية الثقافة في العالم الإسلامي (النصائح التصفية)
115
فإن هذا - بلا ريب - من أسباب إيجاد الطبقات في المجتمعات وتعميق الفجوات بينها، والإسلام يأبى ذلك، على أن من المسلمين من يرى أن الزكاة واجبة في كل ما يصدق عليه أنه مال كما هو مذهب الحنفية، والذين لم يروا هذا الرأي إنما أوجبوا الزكاة في الأصناف التي يشترك الأغنياء والفقراء في الحاجة إليها ومن بينها أثمان السلع والبضائع، وقد غدت هذه الأثمان التي تقوم بها السلع وتنتقل بها من يد إلى أخرى.
الأوراق هي ويبقى حق المال فيما عدا هذه الأصناف موكولاً إلى ضمائر مالكيه من غير أن يتقيد بنصاب أو بحول أو بصنف فإن لم تف الزكاة بحاجات المحتاجين وجب سدها بما زاد عليها، لأن ذلك داخل في البر كما يدل عليه قوله تعالى: {وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَالَى الزَّكَوةَ) (البقرة: (177) حيث عطف إقام الصلاة وإيتاء الزكاة على هذا الإيتاء وهو دليل على أنهما حقان مختلفان فإن العطف دليل التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه.
هذا؛ ولا ريب أن إسقاط الزكاة من هذه الأوراق وإباحة التعامل فيها بطريق الربا يذهب بهذه الحكمة العالية في التشريع الإسلامي، ويفتح الأبواب على مصاريعها لجشع الأثرياء واستغلالهم حاجات المحتاجين لابتزاز ما تبقى من ثرواتهم حتى لا يبقى لهم منها شيء، وعدم مبالاتهم بمواجع الفقراء وضروراتهم، كما يفتحها من جانب آخر لأحقاد الطرف
الآخر عليهم، فتتحول المجتمعات إلى ساحات للفتن والجرائم".
(1) ينظر: كتاب الفتاوى للباحث، ج 1 ص 252 - 260، مكتبة الأجيال.