بيان أثر الاجتهاد والتجديد في تنمية المجتمعات الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ١٧المحور الأول: الاجتهاد المشروع وتوقف حياة الأمة عليه
المبحث الأول
شروط بلوغ درجة الاجتهاد
17
اعلم أن الاجتهاد لا بد من أن يكون مضبوطاً بالضوابط الشرعية ومؤطراً في الإطار الشرعي الذي أذن الله له بالاجتهاد فيه، فلا يكون اتباعاً للهوى ولا استجابة لمصلحة شخصية أو نزولاً إلى الواقع بإخضاع حكم الشريعة له، وإنما هو عبادة وتقرب إلى الله وتطبيق لحكم الشرع على الواقع حتى يكيف بمقتضاه، ولذلك كان من الواجب أن يُحترم مقام الاجتهاد فلا يدنس بهوى ولا يتطاول عليه إلا من كان أهلاً له، وهم العلماء الربانيون الذين غاصوا في أعماق لجج الشريعة فسبروا حكمها وأحكامها وتصوروا أصولها وفروعها وفهموا مقاصدها وغاياتها؛ فتكونت عندهم ملكة تمكنهم من التمييز بين الأدلة قويها وضعيفها وبين أقوال من سبقهم راجحها ومرجوحها، كما تمكنهم من استنباط الأحكام من أصول الشريعة لإنزالها على الوقائع والأحداث المستجدة التي لم يسبق طرحها على ساحة البحث
من قبل.
وهؤلاء هم الذين عبر عنهم القرآن بـ «أولي الأمر» في قوله تعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)
(النساء: 83).
وبما أن الرعيل الأول - وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ كانوا على