بيان أثر الاجتهاد والتجديد في تنمية المجتمعات الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ١٨18
مان أثر الاجتهاد والتحديد في تنمية المجتمعات الإسلامية
درجة عالية من الفهم والوعي لتفتح مداركهم وسعة آفاقها ولطهر سرائرهم ونور بصائرهم، ولأنهم كانوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقون منه
ذلك
شفاهاً، ويرون كيف يطبق أدلة الشرع على الوقائع والأحداث، ومع كله كان سوادهم الأعظم عرباً أقحاحاً فطروا على العربية ورضعوها مع ألبان أمهاتهم، فطبعت بها ألسنتهم ووعتها، ألبابهم، لا جرم كانوا بسبب هذا كله ذوي ملكة فائقة تمكنهم من الاجتهاد في قضايا الشرع، وقد تدربوا على الاجتهاد والرسول عليه أفضل الصلاة والسلام بين ظهرانيهم والقرآن ينزل في محيطهم، وقد أقرهم القرآن على ما اختلفوا فيه من الاجتهاد كما في حادثة بني النضير التي نزل فيها قوله تعالى: {مَا قَطَعْتُم مِّن لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَابِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ الله (الحشر: (5)، كما أقرهم. النبي على ما اختلفوا فيه.
فقد جاء في حديث ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لنا لما رجع من الأحزاب لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة» فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي لم يرد منا ذلك، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحداً منهم.
فأنتم ترون كيف اختلفت وجهات نظر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أمرهم به ففهم بعضهم ما دل عليه ظاهر كلامه من المعنى، وهو أن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة ولو فات وقتها؛ لأن أمره من أمر الله تعالى تجب طاعته وتخصص بحديثه عمومات القرآن، لأن حديثه مصدر
(1) رواه البخاري (321/ 1، رقم 904)، ومسلم (1391/ 3، رقم 1770)، وابن حبان (320/ 4، رقم 1462).