بيان أثر الاجتهاد والتجديد في تنمية المجتمعات الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٧تقديم
ولكن ليس بإمكان أي أحد أن يمسك بأسباب ذلك، فإن الناس متفاوتون في خصائصهم الفطرية والكسبية ومتباينون في مواهبهم الحسية والمعنوية، ومن ذلك تباينهم في المدارك والأفهام، حتى صاروا يقاس الواحد منهم بألف والألف بواحد، على أنهم - وإن أحاطوا بالنصوص الشرعية فحفظوها ووعوها - لا يكفيهم ذلك للإحاطة بمشكلات الأطوار التي يفرزها ما تقذف به الحياة إليهم من قضايا مستجدة لم يكن لأسلافهم عهد بها ولا نبس فيها أحد ببنت شفة، إذ الأحداث تفوت الحصر بينما النصوص الشرعية محصورة، وإنما يحتاجون في ذلك إلى ملكة راسخة في نفوسهم تمكنهم من الغوص في محيط الشريعة الذي لا حدود له للبحث عن جواهر أحكامها وأسرار حكمها، فإنها وإن كانت بحسب نصوصها محدودة إلا أن لكل نص من تلك النصوص بحراً من المعاني لا ساحل له، ولا يقوى على العوم بين لججه إلا المهرة وهم الراسخون في العلم، وأولئك هم الذين أشار إليهم قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (النساء: 83)، فإن على من عداهم أن يسلس لهم القياد ويسلم لهم الأمر لأنهم القادرون على الفهم بما أوتوا من الاقتدار على استنباط الحكم ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} (الحديد: (21).
وإذا كان الاجتهاد في كل عصر ضرورة ملحة تحتمه حاجة الناس إلى الأحكام الشرعية ليلبسوها ما يصدر منهم من أعمال وليحلوا بها ما يستجد عندهم من مشكلات ولينزلوها على ما يواجهونه من أحداث لم تكن مطروحة من قبل على الساحة الفقهية فإن عصرنا هذا ـ بما يشهده من تطور مذهل وما يعايشه من تقدم سريع لقاطرة الحياة وما يتقاذف إليه