مواطن مسالك الدين في دعوة الإباضية وآثارها الشهيمي، إبراهيم بن حافظ بن محمد

مواطن مسالك الدين في دعوة الإباضية وآثارها

الجزء ١ · صفحة ٣٠

المطلب الرابع من مواطن الظهور وأثرها

1 - الجلندى بن مسعود

قبل الامامة

كانت الأوضاع قبل إمامة الجلندى بن مسعود في الخارج والداخل مضطربة غير مستقرة لأحد، ففي الخارج هناك الدولة الأموية التي لم يتبق منها غير رمقها الأخير، وهي تجابه أكبر خطر يهدد حياتها وهو ظهور الدولة العباسية وزحفها نحو تخوم مملكة الشام في الوقت الذي صرف الأمويون فيه أقوى فرسانهم وأفضل عدتهم في حرب أبي حمزة الشاري في الحجاز وطالب الحق في اليمن. وفي الداخل هناك بعض الجبابرة وزعماء القبائل يفرضون نفوذهم بالقوة للحظوة بالملك والجاه والمال، خصوصا من كانوا على اتصال بالعدو الخارجي. وفي وسط هذه الظروف جميعا كان الناس يترقبون بأمل زوال الدولة الأموية؛ لما عانوه من استبداد وظلم وقمع، وحلول دولة عادلة يضع المؤمنون أملهم بالعيش السعيد فيها، تحفظ لهم كرامتهم، وتقودهم إلى الله ورسوله، ويشعرون فيها بالعدل والأمن والاطمئنان، ولكن الدولة البديلة القادمة لم تكن بأفضل حال من الدولة الأموية، فكلا الدولتين كانتا على وتيرة واحدة في نظام الحكم: ملك عضوض وراثي، فقد لأهم شرطين في نظام الحكم هما، الشورى والاختيار، وقد انتصر السفاح العباسي على الدولة الأموية بالفعل، وانقلبت الموازين، وقد ولى أخاه أبا جعفر المنصور على العراق، وقام الأخير بتولية جناح بن عبادة الهنائي على عمان، ثم عزله وولى ابنه محمد بن جناح الهنائي، وكان لينا مع قومه من أهل عمان، ووافقهم على ما يريدون، فرجعت الولاية لهم فهم من قبل أهل استقلال، حكمهم لا يكون إلا لواحد منهم، وما انصاعوا لحكومة خارجية منذ عهدهم الأول في عمان منذ مالك بن فهم وحتى آخر حاكم حكم عمان إلا لفترات استثنائية كان فيها شيئ من الضعف الداخلي؛ بسبب الصراعات القبلية، وظهور بعض الخيانات الداخلية، لكنها في العادة لا تدوم طويلا، وسرعان ما يتدارك الخطر وتستعيد الدولة حريتها واستقلاليتها، وهذا ما حدث في أول حكم للعباسيين، فقد قرر أصحاب الحل والعقد أن يستقلوا بالكلية