مواطن مسالك الدين في دعوة الإباضية وآثارها
الجزء ١ · صفحة ٧٦المطلب الثالث من مواطن الكتمان وأثرها
إن من أبرز مواطن الكتمان وأهمها بل وأساسها في دعوة الإباضية، هي تلك التنظيمات السرية التي حدثت في البصرة في عهد الإمام جابر بن زيد 1 (21هـ-93هـ)، ومن بعده الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي؛ إذ وصلت إلى أقصى درجات التخفي والتستر بمختلف الوسائل والطرق؛ لئلا تنكشف دعوتهم أمام عيون السلطات الأموية المعادية لها، بداية من عهد زياد بن أبيه والي البصرة، الذي اتخذ موقفا عدوانيا ضد الخوارج بسبب ثوراتهم المتطرفة واستعراضهم، إلا أن عدواته تعدتهم إلى الجماعة المعتدلة من الإباضية؛ فلم يفرق بين دعوة قريب وزحاف، وبين دعوة أبي بلال مرداس بن حدير الذي قال عنهم: "قريب لا قربه الله من كل خير وزحاف لا عفا الله عنه، لقد ركباها عشواء مظلمة، يقول: لاستعراضهما"، وذكر عنه أنه قال أيضا: " قريب لا قربه الله، وأيم الله لأن أقع من السماء أحب إلي من أصنع ما صنع - يعني الاستعراض"، مما يدل على تبرؤ أبي بلال من صنيعهم، فهو ليس منهم، وهم ليسوا منه إلا أنه مع كل هذا أصر زياد بن أبيه على القضاء على الحرورية ' جميعا؛ مما يدل على بطشه واستبداده، ونكايته بأهل الدعوة، فبدأ يشن حملات الإبادة ضد الجماعة المؤمنة ومن بعدها جاء ابنه عبيد الله بن زياد وأكمل طريق حملات أبيه، بل وأنكأ وأشد. هو الذي قتل عروة بن أديه أخا أبي، بلال، وقد كان مختبئا تحت سرداب يتعبد فيه، ثم أمر بقتل أبي بلال ومن معه فقتلوا وهم يصلون الجمعة بآسك عن طريق عباد بن الأخضر إلى أن جاء الحجاج بن يوسف الثقفي، وقد كان أظلم وأطغى، يقتل بالظنة والغضب، وقد شدد على أصحاب
-
الإمام جابر بن زيد الأزدي العماني يكنى بأبي الشعثاء إمام المذهب الإباضي ولد بقرية فرق من أعمال نزوى سنة 18 هـ، وهو من كبار التابعين، توفي سنة 93هـ على أرجح الروايات. انظر: مجموعة باحثين، معجم أعلام الإباضية -قسم المشرق -، مرجع سابق، ص??.
أحمد البلاذري، 1417 هـ / 1996م، ج 5، ص 175. الطبري، تأريخ الطبري تأريخ الرسل والملوك، ط ?، دار التراث بيروت، ????هـ، ج?، ص???.
بن يحيى، أنساب الأشراف، تحقيق سهيل زكار ورياض الزركلي، ط1، دار الفكر - بيروت،
نسبة إلى منطقة حروراء: وهو الموطن الذي آل إليه أبو بلال وأصحابه بعد النهروان فسموا عليه، كذلك كانوا يسمون بجماعة المسلمين وبأهل الدعوة ولم يصطلح لفظ الإباضية إلا لاحقا.
76