الجانب الاجتماعي في سير الشماخي
الجزء ١ · صفحة ٢5
المقدمة
الحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات، والصلاة والسلام على أشرف المخلوقات، سيِّدنا محمَّد صاحب المكرمات، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واستنَّ بسنَّته إلى يوم الدين.
أمَّا بعد ..
فإنَّ المؤرِّخ حين يكتب من صميم الحياة اليومية فهو مرآة صادقة للمجتمع، يعيش آلامها وآمالها، بخلاف ما إذا كان آلة إعلاميَّة مسخَّرة بيد السلطة الظالمة، وأبواقا للملوك الغاشمة، لا يكتب إلاَّ ما يرضيها، أو ما تمليها عليه، فتغيب الموضوعيَّة، وتضيع الحقيقة التاريخيَّة، وتفقد الأجيال القدوة والعبرة، وهما الهدف الأسمى من دراسة التاريخ، وليس مجرَّد معرفة الأحداث والتواريخ، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾(1).
وبما أنَّ كُتَّاب السير الإباضيَّة بصفة عامَّة - وموضوعنا هذه المرَّة عن المغاربة - كانت أهدافهم تربويَّة تزكويَّة، بهدف اقتداء الخلف بمآثر السلف؛ فإنَّ الوقائع التي يعرضونها تكون أصدق تعبيرا عن الواقع الاجتماعيِّ. ومن هؤلاء الكتَّاب المقتدرين: العلاَّمة بدر الدين أبو العبَّاس أحمد بن سعيد الشمَّاخي (ت: 928هـ)؛ الذي ألَّف كتابه «السير»، جمع فيه ما كتبه السابقون حول سير أعلام الإباضيَّة، بهدف «الوقوف على مناقب الإخوان»(2) كما يقول؛ لذلك كان حضور الجانب الاجتماعيِّ في سيره قويًّا، وتعدُّ في ذلك مصدرًا ثريًّا.
وسأحاول في هذه الورقة البحثيَّة رصد الجوانب الاجتماعيَّة في سير الشمَّاخي، ولا أدَّعي حصرها بالاستقراء التامِّ، ولكن حاولت أن أجمع في هذه العجالة ما في الإمكان. كما أنني لم أهتمَّ بالتحليل أكثر من اهتمامي بالتجميع، وفي كثير من الأحيان أنقل النصوص بحرفيَّتها؛ ذلك أنَّ هدفي أن أقدِّم للباحث مادَّة خامًا، يستغلُّها لتحليلاته واستنتاجاته. كما أنني لم أقم بالمقارنة بينه وبين المصادر الأساسية التي اعتمدها الشمَّاخي (كسير أبي زكرياء، وطبقات الدرجيني، وسير الوسياني، وسير البغطوري) إلاَّ قليلا، بما يسمح به المقام، ولا يطول به الكلام.
وتتضمَّن المدخلة مدخلا حول المؤلِّف وملاحظات عامَّة عن المؤلَّف، ثمَّ بقية المباحث كانت عن الحياة