الأمثال المضروبة للدنيا في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٢٦يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَتَاتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلُّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (البقرة: 264 - 265)،
"فالآية الأولى تظهر صورة تلك النفس الإنسانية التي تصدر أعمالا، خيرة، وتنفق أموالا كثيرة، ثم تتبع ذلك بما يطفئ نور العمل الذي قدم، بقول، ذميم، وفعل مشين، يُذهب الثواب، ويضيع الأجر، فالمرائي وما ينفقه كمثل ذلك الحجر الناعم الذي يتراكم عليه تراب ناعم، ثم ينزل عليه مطر شديد أذهبه، ولم يبق منه شيئا، فالمراؤون لا يستطيعون الحصول على شيء من ثمرة إنفاقهم إذا أصابهم غضبه تعالى، أو أحبط أعمالهم، كما لا يستطيع الحجر إمساك ما عليه من التراب إذا أصابه مطر " (1).
"وأما الآية الثانية فتعرض صورة تلك النفس الخيرة التي تبذل ما بيدها ابتغاء مرضاة الله، وتحقيقا لتمكن الإيمان في قلبها فهذه النفس كتلك الجنة التي استوفت كل عناصر الخصب والحياة، والجمال، في موقعها الفريد، ووفرة مياهها، ثم ينزل عليها مطر شديد، فأدى إلى ثمار مضاعفة، وخير كثير، وهكذا نفقات المخلصين تنمو عند الله بإخلاص النية، ورغبة النفع، قلت هذه النفقات أو كثرت (2)
وخلاصة ما ذكرناه في هذا المبحث أن المثل في اللغة يأتي على عدة معان ومنها الشبه والصفة والعلامة الدالة على شيء. واختلف العلماء في صياغة التعريف الاصطلاحي، والتعريف الأليق للمثل القرآني هو إبراز المعنى في صورة رائعة موجزة لها وقعها في النفس.
وضرب المثل له معانٍ عدة، فيأتي بمعنى السير وهو مشتق من قولهم: ضرب في الأرض) أي سار فيها، ويكون بمعنى نصبه للناس بإشهاره؛ لتستدل عليه خواطرهم كما تستدل عيونهم على الأشياء المنصوبة، ويفهم منه كذلك الصنع والإنشاء، فيكون مشتقا من ضرب اللبن، وضرب الخاتم، ومن معانيه أيضا إبقاء شيء على شيء، ومنه ضرب الدراهم أي إيقاع النموذج الذي هو الصك على الدراهم لتنطبع به، فكأن المثل مطابق للحالة أي للصفة التي جاء لإيضاحها.
(1)
وأغراض الأمثال القرآنية ثلاثة:
علي أحمد عبدالعال الطهطاوي، عون الحنان في شرح الأمثال في القرآن، دار الكتب العلمية بيروت - لبنان)، ط1425، 1هـ -
2004م، ص 226 - 227. (بتصرف)
(2)
الطهطاوي، عون الحنّان، ص???. (بتصرف).
25